facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لا تطلبوا من الجامعات معجزات… أزمة التعليم العالي تبدأ من المدخلات


د.ماهر سليم
03-10-2026 11:50 AM

من السهل أن نحمّل الجامعات مسؤولية ضعف مخرجات التعليم العالي؛ فننتقد مستوى الخريجين، ونشتكي من البطالة، ونتساءل عن مواقع جامعاتنا في التصنيفات العالمية، وعن مستوى البحث العلمي والابتكار، ومدى قدرة الخريجين على المنافسة في سوق عمل سريع التغير.

وقد أدخل هذا الضغط كثيرًا من الجامعات في سباق محموم نحو المنافسة والتصنيف، حتى أصبح بعضها أكثر انشغالًا بتحسين صورته الخارجية ومؤشراته الشكلية من انشغاله بإصلاح جوهر العملية التعليمية ذاتها.

لكن قبل أن نسأل عن المخرجات، هناك سؤال أكثر أهمية ينبغي طرحه: ما نوعية المدخلات التي تدخل إلى منظومة التعليم العالي؟

فالجامعة ليست آلة سحرية تستقبل أي طالب، مهما كان مستوى استعداده ومهاراته، وتضعه في أي برنامج أكاديمي، ثم تخرّجه بعد أربع سنوات مزودًا بالمعرفة واللغة والمهارات الرقمية والتفكير النقدي والقدرة على الابتكار. ولذلك، قبل أن نحاسب الجامعات على مخرجاتها، علينا أن ننظر بجدية إلى نوعية مدخلاتها.

وأهم هذه المدخلات هو الطالب نفسه.

فعندما يصل الطالب إلى الجامعة، فإنه لا يبدأ من نقطة الصفر، وإنما يحمل معه حصيلة اثني عشر عامًا من التعليم المدرسي، بكل ما فيها من نقاط قوة وضعف في اللغة والرياضيات والعلوم والكتابة والتفكير والتحليل والبحث والتعلم الذاتي والمهارات الرقمية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يكفي معدل الثانوية العامة وحده للحكم على استعداد الطالب لدراسة الطب وتخصصاته، أو الهندسة بفروعها، أو تكنولوجيا المعلومات ومجالاتها المتعددة، أو القانون، أو الإدارة، أو غيرها من التخصصات؟

أم أن الوقت قد حان للبحث أيضًا عن الطالب الذي يمتلك المقومات والاستعدادات والقدرات والميول التي تؤهله للتفوق والإبداع في التخصص الذي يختاره؟

وهذا لا يعني التقليل من أهمية التحصيل الدراسي أو إلغاء دوره في القبول الجامعي، وإنما يعني تطوير منظومة القبول بحيث تصبح أكثر قدرة على تشخيص استعدادات الطلبة وميولهم وقدراتهم، خصوصًا في التخصصات التي تتطلب مهارات معرفية أو علمية أو شخصية نوعية.

ولا بد من الاعتراف بأن الجامعة تدفع، في كثير من الأحيان، ثمن ضعف المدخلات، ولا سيما بعض الجامعات الخاصة والرسمية التي تستقبل طلبة متفاوتين بدرجة كبيرة في مستوياتهم الأكاديمية والمهارية.

فعندما يصل الطالب إلى الجامعة وهو يعاني ضعفًا في اللغة أو الرياضيات أو الكتابة أو التفكير النقدي أو المهارات الرقمية، تجد الجامعة نفسها أمام خيارين: إما أن تتجاهل هذا الضعف وتواصل تدريسه وكأن المشكلة غير موجودة، وإما أن تتحمل مسؤوليتها في تشخيصه ومعالجته.

ومن هنا تأتي أهمية إجراء اختبارات تشخيصية حقيقية للطلبة المستجدين في المهارات الأساسية، تتبعها برامج تأسيسية أو استدراكية لمن يحتاج إليها. والغاية من ذلك ليست وضع العراقيل والحواجز أمام الطالب، وإنما منحه فرصة حقيقية للنجاح، والانتقال من التعليم المدرسي إلى التعليم الجامعي على أسس أكثر متانة.

المدرسة والجامعة… منظومة واحدة

ينبغي كذلك بناء علاقة مؤسسية أقوى بين التعليم العام والتعليم العالي؛ فمخرجات المدرسة هي مدخلات الجامعة، ومخرجات الجامعة ستصبح لاحقًا مدخلات الاقتصاد وسوق العمل والمجتمع.

ومن هنا فإن إصلاح التعليم الجامعي لن يكتمل من دون إصلاح حقيقي للتعليم المدرسي. ولا يمكن أن نطالب الجامعة وحدها بمعالجة تراكمات اثني عشر عامًا من التعليم خلال السنوات القليلة التي يقضيها الطالب فيها.

غير أن الطالب ليس المدخل الوحيد.

عضو هيئة التدريس هو أيضًا أحد أهم مدخلات جودة التعليم الجامعي.

فجودة الأستاذ لا تقاس بالشهادة الأكاديمية والرتبة العلمية فقط، وإنما بقدرته على التدريس، واستخدام التكنولوجيا، وإيصال المعرفة، وتحفيز التفكير، وربط النظرية بالتطبيق، وتحويل المحاضرة من عملية لنقل المعلومات إلى تجربة تعلم حقيقية.

لذلك، لا ينبغي أن تقوم سياسات التوظيف في الجامعات على مجرد استكمال الأعداد المطلوبة لأغراض الاعتماد، بل يجب أن تركز على استقطاب الكفاءات، وتقييم الأداء الحقيقي، وربط الترقية والحوافز بالإنجاز، وتوفير برامج مستمرة للتطوير المهني والأكاديمي.

هل كل برنامج أكاديمي يستحق أن يُفتح؟

البرنامج الأكاديمي نفسه مدخل أساسي آخر في منظومة الجودة.

فلا ينبغي فتح البرامج استجابة لرغبات آنية لدى الطلبة، أو لمجرد قدرة الجامعة على استقطاب أعداد كبيرة إليها. وقبل الموافقة على أي برنامج جديد، يجب أن تسبق القرار دراسة جادة تجيب عن مجموعة من الأسئلة:

هل يحتاج الاقتصاد الوطني إلى هذا التخصص؟ وما حجم الطلب المتوقع عليه بعد خمس أو عشر سنوات؟ وهل تتوافر الكوادر الأكاديمية المؤهلة والمختبرات والتجهيزات اللازمة؟ وهل التخصص مطلوب وطنيًا وإقليميًا ودوليًا؟ وهل يستطيع خريجه المنافسة في أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية؟

إن فتح برنامج أكاديمي قرار استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد قرار مالي قصير الأجل.

التمويل ليس مجرد حجم الإنفاق

كما يمثل التمويل والوضع المالي للجامعة مدخلًا أساسيًا يؤثر مباشرة في جودة البيئة الجامعية. إلا أن القضية، في كثير من الأحيان، لا تتعلق بحجم الإنفاق بقدر ما تتعلق بكفاءة إدارة الموارد.

فقد تمتلك الجامعة مختبرات متطورة لا تُستخدم بكفاءة، أو تشترك في قواعد بيانات ومصادر معرفية لا يستفيد منها الطلبة والباحثون بالشكل المطلوب، أو تمتلك موارد بشرية كبيرة لكنها موزعة بصورة لا تتناسب مع احتياجاتها الحقيقية.

لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم أنفقت الجامعة؟ بل: ماذا حققت الجامعة بما أنفقته؟

وهنا تحديدًا تظهر أهمية الحوكمة الرشيدة، والقيادة المؤسسية، والإدارة المبنية على البيانات، ومؤشرات الأداء، وربط الموارد بالنتائج.

القيمة المضافة… المعيار الأكثر عدالة

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في تقييم الجامعات هو: كيف كان الطالب عندما دخل الجامعة، وكيف أصبح عندما غادرها؟

فالقيمة المضافة التي تقدمها الجامعة لطلبتها يجب أن تصبح مؤشرًا أساسيًا للحكم على أدائها الحقيقي.

فالجامعة التي تستقبل طالبًا متفوقًا ثم تخرّجه بالمستوى نفسه ربما لم تضف إليه الكثير، بينما قد تحقق جامعة أخرى إنجازًا أكبر عندما تستقبل طالبًا متوسط المستوى ثم تطور معرفته ومهاراته وشخصيته وقدرته على التفكير والعمل والإبداع.

ومن هنا، ينبغي ألا يقتصر تقييم الجامعة على الشهادة التي تمنحها، بل على القيمة التي تضيفها إلى الإنسان الذي تمنحه تلك الشهادة.

وهذه القيمة تشمل المعرفة والمهارات والتفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات والتكيف والتعلم المستمر والعمل الجماعي والابتكار، ثم تمتد إلى ما يحدث بعد التخرج: هل وجد الخريج عملًا؟ وهل نجح فيه؟ وهل استطاع تطوير مساره المهني؟ وهل أنشأ مشروعًا؟ وهل أصبح قادرًا على الإسهام في اقتصاد بلده وخدمة مجتمعه؟

فالشهادة ليست المخرج الحقيقي للتعليم العالي؛ المخرج الحقيقي هو الإنسان الذي يحملها.

ومن هنا فإن إصلاح التعليم العالي يبدأ من المدرسة، ويمر بسياسة القبول واختيار التخصص، ونوعية عضو هيئة التدريس، وتصميم البرامج الأكاديمية، والبنية التحتية والرقمية، والحوكمة والتمويل، وينتهي بعلاقة الجامعة بسوق العمل والمجتمع.

وهذا الطرح لا يعفي الجامعات من مسؤوليتها، بل على العكس، يجعل مسؤوليتها أكثر وضوحًا وقابلية للقياس؛ لأن المطلوب من الجامعة ليس أن تصنع المعجزات، وإنما أن تحقق أكبر قيمة مضافة ممكنة من الموارد والمدخلات المتاحة لها.

وقبل أن نسأل الجامعات: «لماذا لم تقدموا مخرجات أفضل؟» علينا أن نطرح سؤالًا يسبق ذلك:

«ما نوعية المدخلات التي قدمناها لها، وما البيئة التي أتحناها لها لتحويل هذه المدخلات إلى مخرجات ذات جودة؟»

إن جودة التعليم العالي لا تبدأ من منصة التخرج، ولا من موقع الجامعة في جدول تصنيف دولي، وإنما تبدأ من جودة المدخلات، وكفاءة العمليات، وحجم القيمة المضافة التي تحققها الجامعة.

وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح جودة المخرجات نتيجة طبيعية لمنظومة تعليمية سليمة، لا معجزة نطلب من الجامعة أن تصنعها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :