المدرسة .. حيث تُبنى شخصية الإنسان
الاب عماد الطوال
03-10-2026 12:05 PM
ليست المدرسة مكانًا لصناعة المتفوقين فقط بل فضاءً لصناعة الإنسان ففيها لا يتعلم الطالب القراءة والكتابة والعلوم فحسب بل يتعلم كيف يفكر وكيف يتعامل مع الآخرين وكيف يتحمل المسؤولية وكيف يكتشف ذاته ودوره في الحياة، لقد اختزلنا أحيانًا نجاح المدرسة في العلامات والنتائج وكأن الطالب الناجح هو صاحب المعدل المرتفع فقط، لكن التربية الحقيقية أوسع من ذلك بكثير فالمطلوب ليس أن نملأ عقل الطالب بالمعلومات فحسب بل أن نساعده على بناء شخصية متوازنة، واثقة، مسؤولة وقادرة على العطاء.
ويقول التربوي الأمريكي جون ديوي "التربية ليست إعدادًا للحياة؛ التربية هي الحياة نفسها" وهذا المعنى يضعنا أمام مسؤولية كبيرة، أن نجعل الحياة المدرسية نفسها تجربة تربوية حقيقية لا مجرد مرحلة انتظار للحياة المستقبلية.
ومن هنا تبرز أهمية البرامج اللاصفية فالرياضة، والكشافة والموسيقى والمسرح والفنون والنوادي العلمية والثقافية والعمل التطوعي كلها أدوات تربوية تسهم في بناء شخصية الطالب، ففي النشاط يتعلم الطالب التعاون وفي الفريق يتعلم احترام الآخر وفي القيادة يتعلم المسؤولية وفي الفشل يتعلم النهوض من جديد.
وقد يكون طالب هادئاً في الصف لكنه يكتشف نفسه قائدًا في الكشافة أو موهوبًا على المسرح أو مبدعًا في الفن أو قادرًا على العمل الجماعي في مشروع تطوعي، لذلك فإن المدرسة التي تمنح طلابها مساحات متنوعة للتعبير والمشاركة هي مدرسة تفتح أمامهم أبوابًا لاكتشاف ذواتهم.
والأهم أن يشعر الطالب بأن المدرسة ليست مكانًا يُحاكم فيه على أخطائه فقط بل مكان يستطيع فيه أن ينمو ويتغير ويجرب ويخطئ ويتعلم ويبدأ من جديد، إن بناء الإنسان يحتاج إلى أكثر من كتاب ومنهج وامتحان، يحتاج إلى علاقة إنسانية دافئة ومعلم يؤمن بطلابه وبيئة مدرسية تحترم الاختلاف وبرامج تساعد كل طالب على اكتشاف موهبته وتحويلها إلى طاقة إيجابية تخدمه وتخدم مجتمعه.
فالمدرسة التي تنجح في بناء شخصية الطالب لا تسأل فقط كم حصل في الامتحان؟ بل تسأل أيضًا ماذا أصبح؟ وهنا يكمن جوهر التربية أن نُخرٍج من المدرسة إنسانًا يعرف ويفكر ويبدع ويتعاون ويحترم ويخدم ويتحمل المسؤولية.
فقد تنتهي سنوات الدراسة وتُنسى بعض الدروس لكن ما يبقى في حياة الإنسان هو الشخصية التي ساعدته المدرسة على بنائها.