العفو العام مرة أخرى… ولكن من يعفو عن أخطاء السياسة العامة؟
المحامي أسامة البيطار
03-10-2026 12:40 PM
عاد الحديث عن العفو العام.
وكأننا أمام مشهد أصبح مألوفًا في الحياة العامة الأردنية ..تتراكم القضايا، تمتلئ المحاكم، تضيق مراكز الإصلاح بنزلائها، ترتفع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ثم يظهر العفو العام باعتباره الحل الأسرع والأكثر شعبية.
لكن ربما آن الأوان لأن نطرح السؤال بصورة مختلفة: هل المشكلة أننا لا نصدر عفوًا عامًا بالقدر الكافي، أم أننا نكرر العفو لأننا لم نعالج أصل المشكلة؟
منذ عام 2011 عرف الأردن أكثر من عفو عام؛ عفو عام في 2011، ثم عفو في 2019، ثم قانون العفو العام رقم 5 لسنة 2024. واليوم، وبعد نحو عامين فقط من آخر عفو، عادت المطالبات النيابية بإصدار عفو جديد، خصوصًا في القضايا البسيطة والقضايا التي أُسقط فيها الحق الشخصي.
ولا خلاف على أن للعفو فلسفة إنسانية نبيلة.
فالدولة ليست عقابًا فقط. والعدالة ليست انتقامًا. ومن أخطأ مرة ليس بالضرورة أن يبقى أسير خطئه إلى الأبد.
ولهذا ارتبط العفو في الفكر القانوني بفكرة استثنائية: ظرف استثنائي، ومناسبة عامة، ومصلحة اجتماعية أوسع تبرر أن تتدخل الدولة لتفتح صفحة جديدة.
وفي عفو 2024، كانت الرسالة الرسمية واضحة … فرصة جديدة لمن حاد عن الصواب، مع المحافظة في الوقت ذاته على الحقوق الشخصية والمدنية وسيادة القانون والأمن والسلم المجتمعي. وقد جاء القانون بمناسبة اليوبيل الفضي، بعد توجيه ملكي وإجراءات دستورية بدأت في الحكومة وانتهت بإقرار مجلس الأمة والمصادقة الملكية.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش اليوم ليس عن مشروعية العفو أو نبل فلسفته.
السؤال هو: ماذا يحدث لهذه الفلسفة عندما يصبح العفو مطلبًا يتكرر كل عدة سنوات؟
الاستثناء إذا تكرر كثيرًا يقترب من القاعدة.
وإذا بدأ المتهم أو المحكوم عليه يفكر منذ بداية القضية في موعد العفو المقبل، وإذا أصبح المجتمع نفسه ينتظر كل بضع سنوات قانونًا يمحو آثار طائفة واسعة من الجرائم، فنحن أمام مسألة تتجاوز الرحمة والتسامح إلى سؤال يتعلق بفلسفة العقوبة وهيبة القانون.
فالغاية من العقوبة ليست فقط إدخال شخص إلى السجن.
هناك الردع، ومنع التكرار، وحماية المجتمع، وإنصاف المجني عليه، وترسيخ الثقة بأن القاعدة القانونية تطبق بصورة مستقرة.
وهنا تبدأ المفارقة الأردنية نصدر تشريعًا يجرم فعلًا . تحقق النيابة. تنظر المحكمة القضية,يقدم المحامون اللوائح والبينات والمرافعات , ينفق الجهاز القضائي والأمني وقتًا ومالًا وجهدًا.
ثم، بعد سنوات أحيانًا، يأتي قانون واحد لينهي الأثر الجزائي لآلاف الملفات.
ولا أقول إن هذا خطأ بذاته؛ فهذه هي طبيعة العفو العام.
لكن إذا تكرر ذلك دوريًا، يصبح السؤال مشروعًا …. هل الخلل في مرتكبي الجرائم فقط، أم في بعض التشريعات والعقوبات والسياسات التي تنتج هذا الحجم من القضايا أصلًا؟
وهذا سؤال ينبغي أن يهم الحكومة قبل غيرها.
فالسياسة العامة الناجحة لا تقاس فقط بقدرتها على معالجة النتائج، بل بقدرتها على تقليل أسباب المشكلة.
إذا كانت مراكز الإصلاح مكتظة، فهل الحل أن نفرغها كل عدة سنوات بعفو عام، أم أن نراجع بصورة جدية التوقيف، والعقوبات السالبة للحرية، والعقوبات البديلة، والجرائم التي يمكن تسويتها بالمصالحة، والسياسة العقابية من أساسها؟
واللافت أن لجنة الحريات في مجلس النواب حين عادت في 2026 للمطالبة بالعفو العام، تحدثت في الوقت ذاته عن قضايا التوقيف الإداري ومراجعة تشريعات تمس الحقوق والحريات. وهذه المصادفة التشريعية تستحق التأمل: عندما نجمع في الاجتماع ذاته تقريبًا بين المطالبة بالعفو وبين المطالبة بإصلاح التشريع، أليس ذلك اعترافًا ضمنيًا بأن بعض المشكلة يسبق العفو ولا يعالجه؟
أما مجلس النواب، فله أن يطالب بالعفو، وهذه صلاحية سياسية وتشريعية مشروعة.
لكن من حق المواطن أيضًا أن يسأل:
هل أصبح العفو العام من الملفات السهلة سياسيًا؟
فالحديث عنه يحظى بطبيعة الحال بتأييد شريحة واسعة من المواطنين: نزيل يريد الخروج، وأم تنتظر ابنها، وزوجة تنتظر زوجها، ومدين أو متهم يريد إنهاء ملفه، وأسر كثيرة تتعلق بأي أمل يخفف عنها.
وهنا يكمن الخطر السياسي.
أن يتحول ملف إنساني وقانوني دقيق إلى أقصر طريق لكسب الرضا العام.
لا أتهم حكومة ولا مجلسًا بأن هذا هو دافعهما، فلا يصح أن تنسب النوايا السياسية دون دليل.
لكن السؤال مشروع …. كلما ضاقت هوامش الرضا الشعبي، هل يصبح العفو العام وسيلة أسهل من مواجهة أسباب عدم الرضا ذاتها؟
هل الأسهل أن نعفو عن آلاف القضايا، أم أن نراجع لماذا أصبح الوصول إلى القضاء والسجن بهذا الاتساع أصلًا؟
هل الأسهل أن نطالب بعفو جديد، أم أن نقول إن بعض النصوص تحتاج إلى تعديل؟
هل الأسهل إغلاق الملف الجزائي، أم مواجهة البطالة والفقر والمديونية والضغط الاقتصادي الذي تشير المؤسسات الرسمية والنيابية نفسها أحيانًا إلى علاقته بارتفاع بعض أنماط الجريمة والتوقيف؟
وهناك طرف آخر قلما يذكر عندما نتحدث عن العفو: المجني عليه وصاحب الحق نعم، يستطيع المشرع أن يقول إن الحق الشخصي أو المدني محفوظ.
وهذا صحيح من الناحية القانونية.
لكن الحقيقة العملية مختلفة أحيانًا.
فوجود دعوى جزائية قائمة، وحكم جزائي، وضغط التنفيذ الجزائي، ليس مساويًا تمامًا لأن تقول لصاحب الحق بعد انتهاء القضية الجزائية: اذهب الآن وابحث عن حقك بالطريق المدني.
قد يبقى الحق في النص، وتضعف وسائل تحصيله في الواقع.
فهل قسنا ذلك؟
وهل نعرف بعد عفو 2024 كم صاحب حق تمكن فعلًا من استيفاء حقه، وكم ملفًا انتهى جزائيًا بينما ظل صاحبه يطارد حقه مدنيًا؟
ثم هناك مرفق العدالة نفسه القاضي جزء من المجتمع المدعي العام جزء من المجتمع الخبير جزء من المجتمع.
والمحامي أيضًا جزء من المجتمع.
وقد يقضي المحامي سنوات في ملف يدرس، ويحضر، ويسمع الشهود، ويطعن، ويترافع، ويتابع موكله، ثم ينتهي الجانب الجزائي دفعة واحدة بالعفو.
ولا أقول إن على الدولة أن تبقي قضية قائمة حماية لأتعاب المحامي؛ فهذا كلام لا يستقيم قانونًا ولا أخلاقيًا.
لكن لا يجوز أيضًا أن نتعامل مع عمل منظومة العدالة وكأنه بلا كلفة.
فعندما تمحو الدولة الأثر الجزائي لآلاف القضايا بصورة دورية، فهي لا تعفو عن أشخاص فقط، بل تنهي أيضًا ثمرة آلاف ساعات العمل القضائي والنيابي والأمني والمهني.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي قبل أي عفو جديد يجب ألا يكون فقط:
من سيشمله؟
بل أيضًا: ماذا تعلمنا من العفو السابق؟
كم شخصًا شمله عفو 2024 ثم عاد إلى الجريمة؟ ما الجرائم التي تكررت؟
ما أثر العفو على أعداد النزلاء بعد سنة وسنتين؟
كم وفرت الدولة ماليًا؟ كم قضية أغلقت؟
كم حقًا شخصيًا استوفي بعد العفو؟
وأي الجرائم التي شملها العفو كشفت أن المشكلة ربما كانت في العقوبة المقررة أصلًا؟
هذه ليست أسئلة ترفية.
هذه هي الدراسة التي ينبغي أن تسبق التشريع.
لأن التشريع الذي لا يقيس أثر التشريع السابق يتحول إلى إدارة للأزمات لا إلى سياسة عامة.
ولا أعتقد أن الأردن بحاجة إلى أن يكون مع العفو أو ضده بإطلاق.
فنحن بحاجة إلى الرحمة، نعم.
لكننا بحاجة أيضًا إلى استقرار القانون.
نحتاج إلى إعطاء الإنسان فرصة ثانية.
لكننا نحتاج كذلك إلى حماية صاحب الحق.
نحتاج إلى تخفيف الاكتظاظ في السجون.
لكن الأهم أن نتوقف عن إنتاج الاكتظاظ ثم نبحث كل عدة سنوات عن باب للخروج منه.
وقد تكون اللحظة الحالية مناسبة لأن تقول الحكومة ومجلس الأمة للأردنيين شيئًا مختلفًا:
لن نسأل فقط من يستحق العفو سنسأل أيضًا لماذا احتجنا إليه مرة أخرى??
فإذا اكتشفنا أن بعض الناس يستحقون فرصة جديدة، فليمنحوها.
وإذا اكتشفنا أن بعض التشريعات هي التي تحتاج إلى فرصة ثانية، فلتعدل.
وإذا اكتشفنا أن بعض العقوبات لم تعد تحقق غايتها، فلنملك شجاعة مراجعتها.
أما أن يبقى العفو هو الممحاة التي نستخدمها كل عدة سنوات لمسح ما أنتجته أقلام السياسة الجنائية، ثم نبدأ الكتابة من الصفحة ذاتها مرة أخرى، فهذه ليست فلسفة عفو.
هذه دعوة لمراجعة الفلسفة كلها.
العفو قيمة حين يكون استثناءً.
أما حين يتحول إلى انتظار دوري، فربما يصبح السؤال الأهم:
من يعفو عن أخطاء السياسة العامة نفسها!