حكومة إنقاذ وطني .. قبل أن تطالبوا بها افهموا ماذا تعني ..
حسان سلطان المجالي
03-10-2026 12:43 PM
كلما اشتدت الأزمات ، أو ارتفع منسوب النقد للحكومة ، خرج علينا بعضهم بمصطلح كبير : "نريد حكومة إنقاذ وطني" !.
أحياناً أشعر أن البعض يستخدم المصطلح لأنه يبدو كبيراً ، لا لأنه يعرف ماذا يعني ....
فلنضع الأمور في نصابها الدستوري :
أين وردت حكومة إنقاذ وطني في الدستور الأردني .؟
في الواقع لا وجود لهذا المصطلح كصيغة دستورية مستقلة ، ولا توجد في الدستور حكومة اسمها "حكومة إنقاذ" ، ولا حكومة فوق الحكومة ، ولا سلطة تنفيذية تحصل على صلاحيات إضافية لمجرد أن أحدهم أطلق عليها صفة "إنقاذ وطني" ...
الدستور حدد طريقة تشكيل الحكومة واختصاصاتها ومسؤوليتها أمام مجلس النواب ... فالمادة (35) تنص على أن الملك يعين رئيس الوزراء ويقيله ويقبل استقالته ، ويعين الوزراء ويقيلهم ويقبل استقالاتهم بناءً على تنسيب رئيس الوزراء ، بينما تحدد المادة (45) مسؤولية مجلس الوزراء عن إدارة شؤون الدولة ، وتقرر المواد (51 و54) مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب وإمكانية طرح الثقة بها ....
إذاً من الناحية الدستورية لا يوجد شيء اسمه "حكومة إنقاذ وطني" له نظام خاص أو صلاحيات استثنائية ....
أما من الناحية السياسية ، فمن حق أي شخص أو حزب أو تيار أن يطالب بحكومة "ذات برنامج إنقاذ اقتصادي أو إداري أو سياسي" ، أو بحكومة تضم كفاءات وتملك برنامجاً واضحاً ومحدداً بمدة ونتائج قابلة للقياس ......
وهذا كلام سياسي يمكن مناقشته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المصطلح السياسي إلى فكرة دستورية وهمية ....
فالحكومة في الأردن لا تستمد شرعيتها من اسمها ، ولا تصبح أقوى دستورياً لأنها سُمّيت حكومة إنقاذ ، ولا تحصل على صلاحيات ليست لها لأن أصحاب المطالبة وضعوا أمامها كلمة "وطني" ...
الدستور لا يعمل بالأسماء الرنانة ، وإنما بالنصوص والاختصاصات والمسؤولية والمساءلة ....
والأهم من ذلك كله :
هل نحن أمام أزمة حكومة ، أم أمام أزمة دولة ..؟
فهناك فرق كبير بين الاثنين .
إذا كانت المشكلة في أداء حكومة ، فالدستور لديه أدواته : تغيير الحكومة ، تغيير رئيس الوزراء ، تعديل الفريق الوزاري ، تعديل السياسات ، ومحاسبة الحكومة من خلال مجلس النواب ، وكل ذلك داخل الإطار الدستوري .
أما أن نتصرف وكأن الدولة الأردنية فقدت دستورها ومؤسساتها وسيادتها ، ثم نبحث عن "حكومة إنقاذ" لتنقذها ، فهذا كلام يحتاج إلى أكثر من شعار ....
الأردن دولة لها دستور ومؤسسات وسلطات دستورية ، والحكومة "جزء" من الدولة وليست هي الدولة .
ولهذا فإن المطالبة بحكومة جديدة يمكن أن تكون موقفاً سياسياً مشروعاً ، أما المطالبة بـ"حكومة إنقاذ وطني" دون تحديد المقصود ، ومَن الذي سيشكلها ، وعلى أي أساس ، وما برنامجها ، وما مدتها ، وما حدود صلاحياتها ، وكيف ستكون مساءلتها ،،، فهذه ليست رؤية سياسية مكتملة ، بل مصطلح فضفاض يصلح "للهتاف" أكثر مما يصلح لبناء نظام حكم ....
وأقولها بصراحة :
لا تنقذوا الأردن من دستوره حتى تنقذوه من مشكلاته ...
فإذا كان المطلوب حكومة قوية ، فليكن المطلب واضحاً :
حكومة ذات برنامج إنقاذ وطني ، لا حكومة ذات شرعية جديدة إسمها "الإنقاذ الوطني".
وإذا كان المطلوب تغيير الحكومة ، فليُقل ذلك بوضوح ...
وإذا كان المطلوب إصلاح السياسات ، فلنحدد أين أخطأت ، وما البديل ، ومن يتحمل المسؤولية ....
أما أن نطلق مصطلحاً ضخماً ، ثم نختلف بعد ذلك على معناه ، وعلى الأشخاص الذين سيتولون هذه الحكومة ، وعلى الصلاحيات التي ستمنح لها ، فهذه ليست معالجة لأزمة الدولة ، وإنما إضافة أزمة جديدة إلى قاموس المصطلحات السياسية ....
الوطن لا يُنقذ بالشعارات ، والدستور لا يُفسَّر بالهتافات ، والحكومة لا تصبح وطنية لأنها حملت اسم "الإنقاذ" .....
الإنقاذ الحقيقي يبدأ من احترام الدستور ، وتحديد المسؤولية ، واختيار القادرين ، ووضع برنامج واضح ، ثم محاسبة من يتولى المسؤولية على النتائج ....
غير ذلك ... فهو كلام سياسي كثير ، ودستوري قليل ...
والله المستعان ، وحفظ الأردن وأهله وقيادته بكل خير .