حين تنهار قواعد النظام الدولي: الدبلوماسية بين فوضى القوة وكرامة الإنسان
م. سعيد المصري
03-10-2026 12:55 PM
لم تبدأ الفوضى التي يشهدها العالم اليوم من طاولة المفاوضات، بل من انهيار القواعد التي كان يفترض أن تنظّم العلاقات بين الدول وتحمي الإنسان من نتائج الصراع. فعندما تضعف سلطة القانون الدولي، وتتراجع قدرة المؤسسات الدولية على تنفيذ قراراتها، وتتحول القوة العسكرية والسياسية إلى معيار لتحديد الحقوق والواجبات، تنشأ حالة من الفوضى الدولية تشبه «الأناركية»؛ أي غياب سلطة عليا قادرة على إلزام الأطراف بالقواعد المشتركة.
في ظل هذه الفوضى، لا يعود القانون مرجعاً حاسماً، ولا تصبح الاتفاقيات ضمانة كافية، ولا تعود المفاوضات بالضرورة طريقاً إلى السلام. وقد تتحول الدبلوماسية إلى وسيلة لكسب الوقت، أو لإعادة ترتيب موازين القوى، أو لتأجيل المواجهة، بدلاً من أن تكون أداة حقيقية لإنهائها. والنتيجة أن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر، بينما تتراجع قيمة الإنسان وكرامته أمام حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية.
إن تراجع مصداقية تسوية النزاعات عبر التفاوض يرتبط ارتباطاً مباشراً بتآكل المؤسسات التي أنشئت لدعم السلام وحماية القانون الدولي. فقد أضعفت السياسات الأميركية تجاه الأمم المتحدة والمؤسسات القضائية الدولية، إلى جانب مواقف دول أخرى، قدرة المجتمع الدولي على منع التصعيد ومحاسبة من ينتهكون القواعد الأساسية. وعندما تتعامل الدول الكبرى مع المؤسسات الدولية بصورة انتقائية، فتدعم قراراتها حين تخدم مصالحها وتتجاهلها حين تتعارض معها، فإنها لا تضعف مؤسسة بعينها فحسب، بل تقوض الثقة في النظام الدولي بأكمله.
ولا تقتصر آثار هذا التراجع على الجانب السياسي، بل تمتد إلى المجال القانوني والإنساني. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين، ويحظر استهدافهم، ويمنع العقاب الجماعي والتهجير القسري والتعذيب والمعاملة المهينة. كما أن حقوق الإنسان ليست امتيازاً تمنحه الدول أو تسحبه، بل هي حقوق أصيلة ملازمة لكل إنسان، في السلم والحرب على السواء.
وعندما تمر الانتهاكات الجسيمة من دون تحقيق أو مساءلة، تصبح كرامة الإنسان رهينة بموازين القوة، ويتحول الإفلات من العقاب إلى حافز لمزيد من الجرائم.
وتوضح المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة هذه المعضلة بجلاء. فعندما تفتقر التفاهمات الدبلوماسية إلى إطار قانوني وسياسي متفق عليه، وآليات موثوقة للمراقبة، وضمانات تحول دون الانسحاب الأحادي أو التصعيد العسكري، تصبح تلك التفاهمات عرضة لتغير الحسابات السياسية. وقد تستمر المفاوضات بالتوازي مع الاستعداد للمواجهة، بحيث يصعب التمييز بين عملية سلام حقيقية وهدنة تكتيكية مؤقتة.
ومن الناحية القانونية، لا يكفي إعلان النوايا أو توقيع بيان سياسي عام لضمان الالتزام. فالاتفاق القابل للحياة يحتاج إلى تحديد واضح لطبيعته القانونية، والتزامات الأطراف، وآليات تنفيذه، والجهة المختصة بتفسيره، وإجراءات التحقق من احترامه، والنتائج المترتبة على خرقه. كما ينبغي أن يتضمن وسائل سلمية لتسوية النزاعات، وأن ينسجم مع ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
ولكي تكون المفاوضات ذات مصداقية، لا بد من وجود شروط مرجعية واضحة ومقبولة من جميع الأطراف، ودعم طرف ثالث محايد يتمتع بالشرعية والقدرة على المتابعة. وينبغي أن تحدد هذه الشروط أهداف المفاوضات، والالتزامات المتبادلة، والجدول الزمني، وآليات التحقق، وإجراءات التعامل مع الانتهاكات. كما يجب أن تضع حماية المدنيين وكرامتهم في صميم العملية، لا أن تتركها بنداً ثانوياً تابعاً للتسويات السياسية.
ولا تستطيع المفاوضات أن تثبت بصورة قاطعة صدق النوايا، لكنها تستطيع تحويل النوايا المعلنة إلى التزامات قابلة للملاحظة والتحقق. فالمعيار الحقيقي لأي عملية تفاوضية ليس ما تقوله الأطراف عن السلام، بل ما تقبله من قيود قانونية، وما تسمح به من رقابة، وما تلتزم به من حماية للمدنيين، وما تقبله من مساءلة عند وقوع الانتهاكات.
ومن هنا تبرز مسؤولية وسائل الإعلام. فالإعلام لا ينبغي أن يكتفي بنقل تصريحات الأطراف أو عرض المفاوضات بوصفها حدثاً سياسياً، بل عليه أن يطرح الأسئلة القانونية والإنسانية الأساسية: هل توجد التزامات واضحة؟ هل هناك آلية للتحقق؟ هل يتم احترام القانون الدولي؟ هل تحمي الاتفاقات المدنيين؟ هل توجد ضمانات للمساءلة؟ وهل تؤدي المفاوضات إلى معالجة أسباب النزاع، أم أنها تؤجل الانفجار المقبل؟
إن الإعلام المسؤول يستطيع أن يميز بين عملية سلام حقيقية ودبلوماسية شكلية من خلال متابعة الأفعال لا الأقوال، وقياس النتائج لا النوايا، وإعطاء الضحايا مساحة لسرد معاناتهم، وعدم السماح بتحويل الإنسان إلى رقم في نشرات الأخبار. فكرامة الضحايا ليست تفصيلاً عاطفياً، بل عنصر أساسي في تقييم شرعية أي تسوية سياسية وقانونية.
ويبقى السؤال الأوسع: ما مستقبل المفاوضات في عالم تفتقر فيه الأطراف إلى إطار مشترك، وإلى الثقة بأن الالتزامات ستُحترم؟ وهل تتجه التسويات بصورة متزايدة إلى أن تُفرض بالإكراه وبموازين القوة المؤقتة، بدلاً من أن تستند إلى اتفاقات تحميها مؤسسات دولية موثوقة وقواعد قانونية قابلة للتنفيذ؟
إن السلام الذي لا يحمي الإنسان ليس سلاماً كاملاً، والاتفاق الذي لا يضمن المساءلة قد لا يكون سوى هدنة مؤقتة. ولا يمكن استعادة مصداقية الدبلوماسية إلا بإعادة بناء الثقة في القانون الدولي، وتعزيز استقلال المؤسسات القضائية، ووضع حماية المدنيين وكرامتهم في قلب كل مفاوضات.
فالمجتمع الدولي لا يُقاس فقط بقدرته على منع الحرب، بل أيضاً بقدرته على حماية الإنسان عندما تقع الحرب، ومحاسبة من يحولون الفوضى إلى وسيلة للحكم.