منظماتنا العربية .. مؤسسات للأثر أم للبقاء
د. هيفاء ابوغزالة
03-10-2026 01:30 PM
في عالمنا العربي، هناك مؤسسات يتغير كل شيء من حولها إلا هي. تتغير الحكومات، وتتبدل الأولويات، وتسقط نظريات وتصعد أخرى، وتدخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى أدق تفاصيل حياتنا، لكن بعض المنظمات تبقى كما هي: مقر، وموازنة، ومدير عام، وموظفون، واجتماعات، وسفر، ومؤتمرات، وبيانات ختامية… ثم يبدأ عام جديد بالدورة ذاتها.
كأن بقاء المنظمة أصبح أهم من السبب الذي أنشئت من أجله.
تذكرت ذلك وأنا أتابع في عمّان ورشة إقليمية نظمتها جامعة الدول العربية بالشراكة مع المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة واتحاد الجامعات العربية، حول تعزيز نظم البيانات والرصد القائم على الأدلة، ضمن عمل لجنة الطوارئ لحماية النساء أثناء النزاعات المسلحة.
استوقفني اسم اتحاد الجامعات العربية.
ليس لأنه شارك في ورشة فحسب، وإنما لأن هذه المؤسسة استطاعت، بهدوء ومن دون ضجيج كبير، أن تبني لنفسها اسماً وحضوراً عربياً يتجاوز حدود الجامعات. لم تعتمد على كونها منظمة عربية متخصصة تابعة لجامعة الدول العربية، ولم يكن لديها ما تتمتع به بعض المنظمات الرسمية من مظلات وامتيازات، لكنها أدركت قاعدة بسيطة: المؤسسة لا تصنعها القرارات التي أنشأتها، بل الحاجة إليها.
واليوم، عندما نتحدث عن الجامعات العربية، والبحث العلمي، والجودة، والتصنيف، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، نجد للاتحاد حضوراً ومساحة وشبكة علاقات واسعة. قد نختلف حول بعض أدائه أو برامجه، وهذا طبيعي، لكن يصعب إنكار أنه استطاع أن يصنع لنفسه مكاناً.
وهنا تبدأ المقارنة المؤلمة.
لدينا منظمات عربية متخصصة مضى على تأسيس بعضها نصف قرن وأكثر. أنشئت من أجل قضايا كانت وما تزال مصيرية للعالم العربي، وحصلت على مقار وموازنات وموظفين وامتيازات، وعقدت آلاف الاجتماعات والمؤتمرات، وأصدرت كماً هائلاً من الدراسات والاستراتيجيات والتوصيات.
لكن أين الأثر؟
خذوا المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو» مثالاً. مؤسسة عمرها أكثر من نصف قرن، وتحمل في اسمها ثلاثة من أثقل ملفات المستقبل العربي: التربية والثقافة والعلوم.
ثلاث كلمات لو نجحنا فيها لتغير الكثير في واقعنا العربي.
ولذلك فإن السؤال عن أداء الألكسو ليس استهدافاً لها، بل هو سؤال تفرضه أهمية ما أُنشئت من أجله. بعد كل هذه العقود، هل يتناسب حضورها وتأثيرها مع حجم التحديات التي تحمل أسماءها؟ أين بصمتها الواضحة في إصلاح التعليم العربي؟ أين المشروع العربي الكبير للبحث العلمي؟ أين حضور اللغة العربية في الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؟ وأين النتائج التي يستطيع المواطن العربي أو الجامعة أو المدرسة أن تقول: نعم، هذا تغير لأن هناك منظمة عربية تعمل من أجله؟
وما ينطبق على الألكسو ينبغي أن ينطبق على غيرها.
المشكلة أن بعض مؤسساتنا أتقنت مع الزمن صناعة النشاط بدلاً من صناعة الأثر.
مؤتمر ناجح، اجتماع مهم، وفد رفيع، زيارة رسمية، مذكرة تفاهم، صورة جماعية، تكريم لشخصية، بيان ختامي، ثم خبر يبدأ بعبارة: «في إطار الجهود المتواصلة…».
ولكن إلى أين تتواصل هذه الجهود؟
المؤتمر ليس إنجازاً لمجرد انعقاده. والسفر ليس دليلاً على الحضور الدولي. وتوقيع عشرات مذكرات التفاهم لا يعني أن شيئاً قد تغير. وتكريم الشخصيات لا يصنع مؤسسة مؤثرة، خصوصاً إذا تحول التكريم إلى باب للعلاقات والمجاملات أكثر منه اعترافاً بإنجاز حقيقي.
فالمنظمات لم تُنشأ كي تؤمّن المناصب والامتيازات والسفر لمن يعملون فيها، ولا لكي تتحول إلى مؤسسات تدور حول إداراتها بدلاً من أن تدور إداراتها حول رسالتها.
وهنا تكمن المشكلة الأخطر.
عندما يصبح بقاء المسؤول وتجديد ولايته أهم من تجديد المؤسسة نفسها، وعندما يعرف الموظفون كيف تستمر المنظمة أكثر مما يعرفون لماذا تستمر، تبدأ المؤسسة بفقدان معناها حتى وإن بقي مبناها مفتوحاً وموازنتها قائمة وجدول سفرها مزدحماً.
وهذا لا يحتاج إلى حملة ضد منظمة أو مسؤول. يحتاج إلى شيء أكثر جدية: الحساب.
ليس الحساب بمعناه العقابي، بل بمعناه المؤسسي البسيط: ماذا أخذتم، وماذا أنفقتم، وماذا أنجزتم؟
بعد خمسين عاماً من العمل العربي المؤسسي، لم يعد كافياً أن تقدم المنظمة تقريراً سنوياً مليئاً بالأنشطة. نريد أن نعرف كم تنفق على البرامج وكم تنفق على الإدارة والسفر. كم دراسة دفعت الدول ثمنها ثم بقيت على الرفوف. كم استراتيجية تحولت إلى سياسة. كم توصية نُفذت. وكم مشروعاً ترك أثراً بعد انتهاء حفل إطلاقه.
والأهم: هل يحتاج العالم العربي فعلاً إلى كل هذه المنظمات؟
قد تكون هناك مؤسسات يجب دعمها، وأخرى تحتاج إلى إعادة هيكلة، ومنظمات متشابهة يمكن دمجها، وربما مؤسسات انتهى الزمن الذي برر إنشاءها ولم يعد هناك سبب منطقي لاستمرارها سوى أننا اعتدنا وجودها.
هذه ليست دعوة إلى هدم مؤسسات العمل العربي المشترك، بل إلى إنقاذها من أخطر ما يمكن أن يصيب أي مؤسسة: أن تستمر طويلاً بعد أن يتوقف الآخرون عن الشعور بقيمتها.
ولعل تجربة اتحاد الجامعات العربية تستحق أن تُقرأ من هذه الزاوية. فالمؤسسة لا تحتاج دائماً إلى أكبر موازنة أو أقوى مظلة سياسية لكي تنجح. تحتاج إلى قيادة حاضرة، وإدارة تعرف لماذا تعمل، وبرامج يحتاج إليها الناس، وقدرة دائمة على تجديد نفسها.
لقد آن الأوان لأن نغير السؤال.
لا تسألوا المنظمة كم مؤتمراً عقدت، ولا كم وفداً أرسلت، ولا كم اتفاقية وقعت، ولا كم شخصية كرّمت.
اسألوها فقط:
ماذا تغير لأنك موجودة؟
ثم اطرحوا السؤال الذي تخشاه أي مؤسسةفقدت سبب وجودها:
لو أُغلقت أبوابك غداً… من سيفتقدك.