لماذا لا يكون لدينا مركز وطني متقدم لأبحاث السرطان؟
نيڨين العياصرة
03-10-2026 01:50 PM
كل يوم تصلنا من مختبرات العالم قصة جديدة عن السرطان، اكتشاف في جين و دواء يستهدف خلية وتقنية تكشف الورم في مراحله الأولى وتجربة سريرية تفتح بابًا جديدًا أمام مريض كان ينتظر فرصة، وأنا أتابع هذه الأبحاث يعود إليّ سؤال أردني جدًا :لماذا لا يكون لدينا مركز وطني متقدم لأبحاث السرطان؟
لدينا أطباء وعلماء وأساتذة جامعات ومختصون في الوراثة والطب الجزيئي والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي، ولدينا مركز الحسين للسرطان ومستشفيات جامعية وخدمات طبية وجامعات وسنوات طويلة من الخبرة مع آلاف الحالات، ولدينا قاعدة بشرية وطبية وعلمية تستطيع أن تنتج معرفة ذات قيمة عالمية، ولدينا أيضًا قصة أردنية مع السرطان تستحق أن تُقرأ بعين الباحث، فكل مريض مرّ في مستشفى وكل عينة أخذت في مختبر وكل صورة شعاعية وكل تقرير مرضى وكل استجابة لعلاج تحمل معلومة علمية يمكن أن تقود إلى سؤال جديد.
وهنا تبدأ الفكرة: لماذا لا نجمع كل هذه المعرفة في مركز وطني متقدم لأبحاث السرطان؟ مركز تكون مهمته أكبر من إجراء الدراسات ونشر الأوراق العلمية، مركز يصنع أجندة بحثية أردنية ويحدد أكثر أنواع السرطان إلحاحًا في مجتمعنا ويدرس العوامل الوراثية والبيئية ويطور تقنيات الكشف المبكر ويستثمر الذكاء الاصطناعي في قراءة البيانات والصور الطبية ويدخل في شراكات بحثية دولية ويمنح الباحث الأردني فرصة الوصول إلى المختبر والتجربة والتمويل.
مركز يجمع الطبيب مع عالم الأحياء الجزيئية والمهندس مع عالم البيانات والصيدلاني مع الباحث السريري والجامعة مع المستشفى والقطاع العام مع القطاع الخاص، عندها تتحول الأبحاث من جهود متفرقة إلى مشروع علمي وطني ويصبح للباحث الأردني إطار يعمل داخله، وللمؤسسات الطبية والجامعات هدف بحثي مشترك وللدولة قدرة أكبر على توجيه الاستثمار العلمي نحو قضايا صحية تمس المجتمع مباشرة.
العالم اليوم يتحرك بسرعة هائلة في أبحاث السرطان، البحث انتقل إلى الجينات والمناعة والطب الشخصي والعلاجات الموجهة والذكاء الاصطناعي، والمريض الأردني يستحق أن يكون حاضرًا في هذه الرحلة كباحث ومشارك ومستفيد، والأردن يمتلك فرصة خاصة، لدينا تراكم كبير من الخبرات الطبية ومركز متخصص في علاج السرطان وجامعات تضم طاقات شابة وأجيال من الباحثين القادرين على بناء جسور مع مختبرات العالم.
ما يحتاجه هؤلاء هو المشروع الذي يجمعهم، مركز وطني متقدم يمكن أن يصبح ذراع الأردن العلمية في ملف السرطان، يستقطب الباحثين ويمنح المنح ويمول الدراسات ويحتضن المختبرات ويستقبل الباحثين الأردنيين في الخارج ويعيد ربطهم بالمشروع الوطني ويحول الأفكار إلى تجارب، والتجارب إلى براءات اختراع والنتائج إلى تطبيقات يستفيد منها المريض.
وهنا يصبح السؤال أكبر من علاج حالة فردية.. ما الذي يستطيع الباحث الأردني أن يكتشفه عن السرطان لدى الأردنيين؟ ما العوامل التي ترتبط بانتشار بعض الأنواع؟ ما المؤشرات الحيوية التي تساعد في الكشف المبكر؟ ما الجينات التي تستحق الدراسة؟ كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التشخيص؟ وكيف نستطيع الوصول إلى علاج أكثر دقة وأقل كلفة؟،هذه الأسئلة تستحق مؤسسة كاملة مكرسة لها، مؤسسة تجعل البحث العلمي جزءًا من منظومة مواجهة السرطان وتمنح الباحث مساحة حقيقية للتجربة والاكتشاف، ويمكن لهذا المركز أن يحمل اسم الأردن إلى خارطة البحث العلمي العالمي وأن يصبح شريكًا في مشاريع دولية كبرى وأن يفتح أمام شبابنا تخصصات وفرصًا جديدة، وأن يحول ملف السرطان من قضية علاجية إلى قضية علم واقتصاد ومعرفة وسيادة بحثية.
نحن نحتاج إلى أن نرى الباحث الأردني وهو يعمل على اكتشاف جديد والجامعة الأردنية وهي تدخل في شراكة عالمية والمختبر الأردني وهو ينتج معرفة قابلة للتطبيق والشركة الأردنية وهي تحول البحث إلى منتج طبي، العالم يركض في هذا المجال والأردن يمتلك من العقول والخبرات ما يؤهله لأن يركض معه حين تتوافر له المؤسسة والمشروع والتمويل والرؤية.
والسؤال الذي يستحق أن نضعه أمام أصحاب القرار والجامعات والمؤسسات الطبية والقطاع الخاص هو: متى نجمع إمكانات الأردن كلها في مركز وطني متقدم لأبحاث السرطان؟وهذه خطوة تستحق أن تبدأ الآن.