facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العراق بعد الانسحاب الأميركي .. امتحان السيادة والاستقرار


عبدالنبي الشعلة
03-10-2026 07:02 PM

مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية من العراق في نهاية الشهر الماضي، أُسدل الستار على مرحلة طويلة من الوجود العسكري الأميركي، بدأت مع غزو عام 2003، ثم شهدت محطات وتحولات عدة، كان أبرزها عودة القوات الأميركية عام 2014 لمساندة العراق في مواجهة تنظيم داعش. وقد اكتمل الانسحاب، في نهاية الشهر الماضي، بموجب الاتفاق الذي أُعلن بين بغداد وواشنطن عام 2024، لينتقل العراق إلى مرحلة جديدة يتحمل فيها مسؤولية أمنه بصورة أكبر، فيما تستمر أوجه التعاون بين البلدين في مجالات التدريب وتبادل المعلومات.

إن مغادرة القوات الأميركية تسرّ شعوب دول مجلس التعاون وحكوماتها، انطلاقًا من حرصها على أن ينعم العراق الشقيق بالسيادة والاستقرار، وأن يمتلك قراره الوطني كاملًا. غير أن الترحيب بهذا التطور لا يلغي ضرورة النظر إلى ما بعده بواقعية وحذر؛ فالانسحاب قد يكون نهاية لوجود عسكري أجنبي، لكنه في الوقت نفسه بداية لاختبار صعب لقدرة الدولة العراقية على حماية أمنها ووحدتها، وصون مؤسساتها من التجاذبات والتدخلات.

فالسيادة لا تُقاس بمجرد مغادرة القوات الأجنبية، مهما كانت أهمية ذلك، وإنما بقدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، واحتكار قرار السلم والحرب، وحصر السلاح في يد مؤسساتها الشرعية. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومة العراقية أن تملأ الفراغ الأمني والسياسي المحتمل، وأن تحول انتهاء المهمة العسكرية للتحالف إلى فرصة لبناء دولة أقوى وأكثر استقلالًا؟

يأتي هذا السؤال في وقت لم يُحسم فيه ملف الفصائل المسلحة، الذي كان من المفترض أن يتزامن التعامل معه مع انسحاب القوات الأميركية. فقد مُدّد الموعد إلى يونيو من العام المقبل، بعدما واجهت الحكومة صعوبة في إقناع الفصائل بتسليم أسلحتها أو إخضاعها بالكامل لسلطة الدولة. وسيكون هذا الملف أحد أصعب الاختبارات أمام بغداد، إذ لم يعد ممكنًا استخدام الوجود الأميركي ذريعة للتمسك بسلاح خارج السيطرة الفعلية للمؤسسات الرسمية.

وتتعاظم حساسية هذا التحدي لأن بعض الفصائل يرتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، ويرى مراقبون أنها تمثل امتدادًا لنفوذها داخل العراق. ولا يتعلق الأمر هنا بموقف من مكوّن عراقي أو طائفة بعينها، بل بمبدأ وطني أساسي: ألا يتحول أي تنظيم مسلح إلى قوة موازية للدولة، أو أداة لفرض خيارات خارجية على قرارها. فاستعادة العراق لسيادته من الوجود العسكري الأميركي ستكون ناقصة إذا أفسح المجال لاتساع نفوذ خارجي آخر، أو لتعاظم سلطة قوى مسلحة تنافس مؤسسات الدولة.

ويواجه العراق كذلك تحديًا بالغ الدقة في إدارة علاقاته مع واشنطن وطهران. فالتنافس بين الدولتين حاضر في المشهد العراقي، وقد يشتد في المرحلة المقبلة. والمطلوب من بغداد أن تحمي استقلال قرارها، وأن تقيم علاقات متوازنة مع الجانبين، من دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة لتصفية الحسابات أو إلى قناة لتمرير صراعات المنطقة. وهي مهمة لا تتطلب حسن إدارة السياسة الخارجية فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى دولة قوية، ومؤسسات تحظى بثقة مواطنيها، ورؤية وطنية تتقدم على الولاءات العابرة للحدود.

أما إقليم كردستان، فينظر إلى مرحلة ما بعد الانسحاب بقلق واضح. فقد تعرض خلال المواجهات الإقليمية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وكان يعتمد على جوانب من الدعم العسكري الأميركي، بما فيها أنظمة الحماية والإسناد. ويظل السؤال مطروحًا حول مدى قدرة الحكومة الاتحادية على ضمان أمن الإقليم، وحماية سكانه ومنشآته، ومعالجة مخاوفه في إطار الدستور والشراكة الوطنية. فاستقرار العراق لا يكتمل إذا شعر أي جزء منه بأنه متروك لمواجهة الأخطار وحده.

ولا يجوز إغفال التهديد الذي ما زالت تمثله خلايا تنظيم داعش، رغم زوال سيطرته على الأراضي التي استولى عليها. فالتنظيم لم يختفِ، وقد يستغل الثغرات الأمنية والمناطق المتنازع عليها أو ضعيفة الحضور الحكومي، ولا سيما في محافظات مثل كركوك وديالى والأنبار. لذلك يتعين على القوات العراقية تطوير قدراتها الاستخباراتية والأمنية، وتعزيز التنسيق بين مؤسساتها الاتحادية والإقليمية، مع الاستفادة من أشكال التعاون الدولي المتاحة لمواجهة الإرهاب.

ومن هنا، فإن على دول مجلس التعاون أن تمد يدها إلى العراق، وأن تنظر إليه بوصفه شقيقًا يحتاج إلى شراكة عربية فاعلة في هذه المرحلة. ويمكن للتعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، إلى جانب التنسيق السياسي والأمني، أن يساعد العراق على تعزيز استقراره وارتباطه بمحيطه العربي، وأن يدعم تطلعات شعبه إلى دولة مستقرة ومزدهرة. فاستقرار العراق مصلحة عربية وخليجية مشتركة، وأي اضطراب فيه لن يظل حبيس حدوده.

لقد انتهى الوجود العسكري الأميركي، لكن الأسئلة الكبرى تبدأ الآن: هل تنجح بغداد في فرض سلطة الدولة على الجميع، وحماية كردستان، ومواجهة بقايا داعش، وصون قرارها من التدخلات؟ إن الرهان الحقيقي ليس على ما غادر العراق، بل على ما ستبنيه الدولة العراقية بعده. ومن حق العراقيين، كما هو من حق أشقائهم، أن يأملوا بأن تكون هذه المرحلة بداية لسيادة راسخة واستقرار دائم، لا فراغًا جديدًا تتنازعه القوى والسلاح





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :