تخيّلوا لو أن اختراعًا بحجم الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي ظهر اليوم، ثم قررنا منعه لأننا نخشى ما قد يحمله من أخطاء وأفكار جديدة وتأثيرات لا نستطيع السيطرة عليها.
قد يبدو الأمر غريبًا، لكن التاريخ يخبرنا أن شيئًا قريبًا من ذلك حدث مع واحد من أعظم الاختراعات التي غيّرت الحضارة الإنسانية: الطباعة.
في منتصف القرن الخامس عشر، أحدث يوهان غوتنبرغ ثورة لم تكن في الآلة نفسها بقدر ما كانت في قدرتها على تغيير طريقة إنتاج المعرفة ونشرها. قبلها، كان نسخ الكتاب عملًا بطيئًا ومكلفًا، وقد يستغرق وقتًا طويلًا. ثم جاءت الطباعة، فتحولت المعرفة تدريجيًا من مورد نادر إلى معرفة يمكن تداولها على نطاق لم يكن ممكنًا من قبل.
انتشرت الكتب والعلوم والخرائط والأفكار، وتسارعت حركة التعليم والتجارة والإدارة. لم تعد المعرفة حكرًا بالدرجة نفسها على مجموعات محدودة؛ أصبح الوصول إليها أوسع وأسرع وأقل كلفة.
لكن بينما كانت أوروبا تدخل عصر الطباعة، تعاملت أجزاء من العالم الإسلامي معها بحذر شديد، خصوصًا فيما يتعلق بطباعة النصوص العربية والإسلامية. كانت هناك مخاوف دينية ومهنية وثقافية مفهومة في سياق عصرها: الخوف من تحريف النصوص، والأخطاء الطباعية، وفقدان الناسخين والخطاطين أعمالهم، وانتشار أفكار يصعب ضبطها. وفي مراحل مختلفة ظهرت قيود وفتاوى ومواقف رافضة أو متحفظة تجاه استخدامها.
وهنا تبدأ قصة «الطباعة حرام».
المشكلة لم تكن فقط في رفض آلة؛ المشكلة كانت في كلفة التأخر في تبني المعرفة.
فعندما تنتشر تقنية جديدة في مجتمع وتتأخر في مجتمع آخر، لا يبقى الفرق تقنيًا فقط. يتحول بمرور الوقت إلى فجوة في التعليم والمعرفة والإدارة والاقتصاد والقوة والقدرة على الابتكار.
ولهذا أرى أن أهم عبارة في هذه القصة هي:
لا توجد أمم ذكية وأمم أقل ذكاءً؛ توجد أمم تتعلم بسرعة، وأمم تتأخر في التعلم.
وفي التاريخ العثماني برز "الاستاذ إبراهيم متفرقة" مثالًا على محاولة كسر هذا التأخر. وبعد جهود طويلة، حصل في عشرينيات القرن الثامن عشر على الإذن بإنشاء مطبعة بالحروف العربية في إسطنبول، وبدأ بطباعة أعمال في مجالات مثل التاريخ والجغرافيا واللغة. لم يدخل "متفرقة" آلة جديدة فقط؛ كان يدافع عن عقلية جديدة تجاه المعرفة والتعلم.
ومن هنا يصبح عنوان «الطباعة حرام» أكبر من قصة تاريخية.
لأن لكل عصر «طباعة» خاصة به.
في عصرنا قد يكون اسمها الذكاء الاصطناعي.
واليوم نسمع تقريبًا المخاوف الإنسانية نفسها بصياغات جديدة: سيأخذ الوظائف، سيضعف التفكير، سينشر معلومات خاطئة، سيهدد الخصوصية، وسيصبح من الصعب السيطرة عليه. وبعض هذه المخاوف حقيقي ويستحق الحوكمة والتنظيم، تمامًا كما كانت للطباعة مخاطر حقيقية.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين إدارة مخاطر التقنية والهروب من التقنية.
السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس: كيف نمنع الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نتعلمه أسرع، ونحكمه أفضل، ونستخدمه بطريقة تزيد قدرات الإنسان بدل أن تقلل منها؟
فالخطر ليس دائمًا في التقنية التي تدخل مجتمعاتنا؛ أحيانًا يكون الخطر الأكبر في التقنية التي تدخل العالم ونحن نتأخر عنها.
لقد علمتنا قصة الطباعة أن تأجيل التعلم قد تكون له كلفة حضارية تمتد لأجيال. واليوم، أمام الذكاء الاصطناعي، لا ينبغي أن نكرر الخطأ نفسه بصيغة جديدة.
ربما بعد مئتي عام سيقرأ أحفادنا بعض مخاوفنا الحالية من الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي نقرأ بها اليوم قصة الخوف من الطباعة.
وسيسألون:
كيف عرفوا أن العالم يتغير أمامهم، ثم اختار بعضهم الانتظار؟
التاريخ لا يعاقب من يخاف التكنولوجيا، فالخوف طبيعي. لكنه كثيرًا ما يترك خلفه من يحوّل الخوف إلى سبب للتوقف عن التعلم.
فالأمم لا تتقدم لأنها تعرف كل شيء، بل لأنها تتعلم أسرع.
بالأمس كانت الطباعة.
واليوم الذكاء الاصطناعي.
وغدًا ستكون تقنية أخرى.
أما السؤال الذي لا يتغير فهو:
هل سنخاف من المستقبل… أم سنتعلم كيف نصنعه؟