facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن بعد الاستقرار: هل تبدأ دورة النمو المنتج؟


د. حمد الكساسبة
04-10-2026 12:08 PM

ليس أهم ما حدث في الاقتصاد الأردني أخيراً أن معدل النمو بلغ نحو 3% في الربع الثاني من 2026، بل أن هذا التحسن جاء في لحظة بدأت فيها عدة عناصر اقتصادية بالتحرك في الاتجاه نفسه: أداء أفضل لبعض القطاعات الإنتاجية، توسع في الصادرات، انتقال مشاريع كبرى إلى التنفيذ، واستمرار الاستقرار النقدي والمالي رغم بيئة إقليمية مضطربة. وهذه العناصر لا تكفي بعد للقول إن الأردن دخل دورة نمو مرتفع، لكنها تجعل السؤال مشروعاً: هل يمكن أن يكون النصف الثاني من هذا العقد بداية انتقال من اقتصاد يحافظ على الاستقرار إلى اقتصاد يستخدمه لبناء نمو أعلى وأكثر إنتاجية؟

لقد كان الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي خلال سنوات من الصدمات الإقليمية والدولية ضرورة أساسية للأردن، لكنه لا يمكن أن يكون الغاية النهائية. فالاستقرار يحمي الاقتصاد من التراجع، إلا أنه لا يرفع دخل الفرد أو يخلق الوظائف المطلوبة ما لم يتحول إلى استثمار وإنتاجية وصادرات. ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة مختلفة: التحدي لم يعد فقط حماية ما تحقق، بل تحويل الاستقرار إلى قاعدة انطلاق تسمح بتوسيع القدرة الإنتاجية، ورفع تنافسية الاقتصاد، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النمو.

وما يمنح هذه الفرصة قدراً من الواقعية هو اتساع دورة المشاريع والاستثمارات التي بدأت تتشكل. فالبرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي يضم 182 مبادرة و392 مشروعاً في 25 قطاعاً، إلى جانب مشاريع استثمارية وشراكات واسعة مع القطاع الخاص. لكن قيمة هذه المشاريع لا تكمن في عددها أو حجم الإنفاق عليها فقط، بل في قدرتها على خفض كلفة المياه والطاقة والنقل، وتحسين البنية التحتية والخدمات الرقمية واللوجستية، وفتح المجال أمام استثمارات خاصة لم تكن ممكنة في السابق.

وهنا تكمن نقطة التحول المحتملة. فالنمو المستدام لا يأتي من مشروع عام يتبعه مشروع آخر، بل عندما يخلق الاستثمار الأول استثمارات جديدة حوله. طريق أكثر كفاءة، أو مشروع مياه كبير، أو بنية طاقة أفضل، يمكن أن يخفض كلفة الإنتاج ويزيد جاذبية الاستثمار الصناعي والخدمي. وعندما يستجيب رأس المال الخاص لهذه التحسينات، ينتقل الاقتصاد من دورة إنفاق إلى دورة استثمار، ومن زيادة مؤقتة في الطلب إلى توسع مستمر في القدرة الإنتاجية. عندها يصبح المشروع محفزاً للنمو لا مجرد بند في الإنفاق.

لكن الأردن يحتاج أيضاً إلى تغيير نوعية ما ينتجه، لا زيادة حجمه فقط. فالفرصة الأكبر ليست في أن يعمل الاقتصاد بالطريقة نفسها وبحجم أكبر، وإنما في رفع حصة القطاعات الأعلى قيمة وإنتاجية: الصناعات الدوائية والغذائية والمتقدمة، التعدين والصناعات المرتبطة به، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الخدمات الرقمية، السياحة المتخصصة، والخدمات الصحية واللوجستية. وفي اقتصاد محدود الموارد والسوق المحلية، يصبح تصدير القيمة والمعرفة والخدمات أكثر أهمية من مجرد زيادة الكميات المنتجة.

وهذا يجعل رأس المال البشري جزءاً أساسياً من معادلة النمو، لا ملفاً اجتماعياً منفصلاً عنها. فقيمة الشباب والتعليم لا تتحقق بعدد الخريجين، بل بقدرتهم على العمل في قطاعات تتوسع وتصدر وتستخدم التكنولوجيا. وإذا نجح الأردن في تقليص الفجوة بين التعليم والمهارات التي يحتاجها الاستثمار الجديد، يمكن أن يتحول التحدي الديموغرافي إلى ميزة إنتاجية. وعندها يصبح خلق الوظائف نتيجة طبيعية لتوسع الاقتصاد المنتج، لا هدفاً منفصلاً تسعى البرامج الحكومية إلى تحقيقه.

ولهذا فإن المؤشرات التي ينبغي مراقبتها حتى نهاية العقد لا تقتصر على معدل النمو. الأهم هو: هل يرتفع الاستثمار الخاص؟ هل تزيد الصادرات ذات القيمة المضافة المحلية؟ هل تتحسن إنتاجية العامل؟ هل تتوسع الشركات القائمة وتظهر شركات جديدة في القطاعات القابلة للتصدير؟ وهل تتحول الوظائف الجديدة إلى دخول أعلى؟ فإذا تحركت هذه المؤشرات معاً، فسيكون ذلك دليلاً أقوى من رقم الناتج المحلي وحده على أن الاقتصاد بدأ فعلاً بتغيير مساره ومصادر نموه.

وبالطبع، لا يحدث هذا التحول في فراغ. فالمديونية، وكلفة التمويل، والبطالة، ومحدودية المياه والطاقة، والمخاطر الإقليمية ستظل قيوداً مؤثرة. لكن الاقتصادات لا تنتظر اختفاء جميع القيود حتى تنمو؛ بل تحتاج إلى أن تصبح قدرتها على توليد الاستثمار والإنتاجية أكبر من أثر تلك القيود. ومن هنا سيكون التنفيذ هو العامل الحاسم: سرعة إنجاز المشاريع، جودة اختيارها، قدرة المؤسسات على إزالة العوائق أمام المستثمر، وربط الإنفاق العام بنتائج قابلة للقياس في الإنتاج والصادرات والدخل وفرص العمل.

ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأكثر فائدة اليوم هو ما إذا كان الأردن قد دخل فعلاً مرحلة نمو جديدة، بل ما إذا كان قد بدأ في بناء شروطها. فالدورة الجديدة لن يعلنها رقم فصلي واحد، بل ستظهر عندما يتحول الاستقرار إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى صادرات ودخل ووظائف. وإذا تحقق هذا التسلسل خلال السنوات المقبلة، فقد يمثل النصف الثاني من هذا العقد نقطة انتقال مهمة: من اقتصاد أثبت قدرته على الصمود أمام الأزمات إلى اقتصاد أكثر قدرة على صناعة نموه بنفسه، وتحويل الاستقرار الذي حافظ عليه طويلاً إلى نمو منتج ومستدام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :