facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عمان تسترد شوارعها: حين ينتهي زمن استباحة الحق العام


يحيى الحموري
05-10-2026 12:19 PM

في عمان، ثمة معارك لا تحتاج الى ضجيج المدافع كي نعرف انها معارك دولة.

يكفي ان يقف مواطن امام شارع ضاق بما وضعت عليه من حواجز، او امام رصيف احتلته مركبات وحواجز ولافتات، او ان يبحث طويلا عن موقف في مدينة يفترض ان تكون شوارعها ومرافقها العامة متاحة للجميع، حتى يدرك ان القضية اكبر من موقف سيارة، واوسع من خدمة اصطفاف، واعمق من مخالفة عابرة.

انها ببساطة شديدة: قضية حق عام.

ولعل حملة رصد تجاوزات الاصطفاف والفاليه في عمان، التي تنفذها امانة عمان بالتعاون مع الجهات الأمنية المختصة، تستحق ان ينظر اليها الاردنيون باعتبارها خطوة في اتجاه تصحيح مشهد ظل يتكرر سنوات طويلة حتى كاد بعض الناس يظن ان تكراره قد منحه المشروعية.

وهنا تكمن المشكلة.

المخالفة لا تتحول الى حق لانها قديمة، والاعتداء على الطريق العام لا يصبح قانونيا لان الجميع اعتاد رؤيته.

فالزمن لا يمنح الملكية، والاعتياد لا يصنع الترخيص، والامر الواقع لا يسمو فوق القانون.

لقد عاشت عمان طويلا مع ظاهرة اخذت اشكالا متعددة: مساحة عامة يجري التعامل معها كأنها ملك خاص، موقف يحجز لمن يدفع، رصيف يختفي خلف المركبات والحواجز، وشارع تتراجع فيه حقوق الناس امام ممارسات فرضت نفسها بالتدريج.

وفي بعض الحالات، تحول ما بدأ كممارسة محدودة الى ما يشبه القاعدة غير المكتوبة.

وهنا يجب ان تتوقف الدولة.

ليس لانها تريد التضييق على احد، وليس لانها تستهدف قطاعا بعينه، وانما لان الحق العام لا يملك رفاهية الصمت.

نحن نتحدث عن كل من يتجاوز حدود الترخيص، او يحتل مساحة عامة بلا سند، او يمنع المواطن من استخدام حق مكفول له، او يتعامل مع شارع او رصيف او موقف عام كما لو انه ملك شخصي.

وهنا ينبغي ان تكون الدولة حاسمة.

لا استثناءات.
لا محسوبيات.
لا غض نظر.
ولا عودة الى الوراء.

لان المواطن حين يرى القانون يطبق على الجميع، لا يشعر بالخوف من الدولة، بل بالامان فيها.

وحين يرى ان مساحة عامة استعيدت من يد من استباحها، فهو لا يرى مجرد حاجز يزال من شارع، بل يرى معنى اكبر: يرى ان الدولة ما زالت قادرة على حماية الحق العام.

وهذه هي النقطة الجوهرية.

ان معركة عمان اليوم ليست مع بضعة اقماع مرورية، ولا مع حواجز معدنية، ولا مع سيارات مصطفة في غير مكانها.

المعركة الحقيقية هي مع ثقافة استقرت في بعض الزوايا تقول: من يضع يده على المكان اولا يصبح صاحب الحق فيه.

وهذه الثقافة يجب ان تنتهي.

لان الدولة الحديثة لا تدار بمنطق “هكذا وجدناها”، ولا بمنطق “الجميع يفعل ذلك”، ولا بمنطق “هذه المنطقة لنا منذ سنوات”.

الدولة تدار بالقانون.

ومن هنا، فان المطلوب من حملة الرصد الحالية الا تكون مجرد حملة لتحرير مخالفات ثم تنتهي بانتهاء الاهتمام الاعلامي بها.

المطلوب ان تتحول الى مراجعة شاملة ومنهجية لكل اشكال الاعتداء على الطريق العام في عمان.

حصر المواقع.

مراجعة التراخيص.

تحديد الحدود القانونية لكل نشاط.

رفع كل ما وضع في الطريق العام دون سند.

منع حجز المواقف العامة بوسائل غير قانونية.

وضع معايير واضحة وعلنية لا تترك مجالا للاجتهاد او الانتقائية.

ثم، وهذا هو الاهم، استدامة الرقابة حتى لا يعود المشهد بعد اشهر كما كان.

فما فائدة ان تفتح شارعا اليوم ثم يغلق غدا؟

وما قيمة ان يزال حاجز ثم يعود بعد اسبوع؟

وما جدوى حملة قوية اذا لم تتحول الى سياسة دائمة؟

المواطن لا يريد موسما من الانضباط.

المواطن يريد قاعدة ثابتة: القانون يعمل كل يوم.

وقد يكون من المفيد ايضا ان تنظر الجهات المختصة الى المسألة من زاوية اكبر: عمان مدينة تتوسع، وحركة السيارات تزداد، والوقت الذي يضيعه المواطن بحثا عن موقف ليس مجرد دقائق عابرة؛ انه جزء من جودة الحياة، ومن كفاءة المدينة، ومن احترام الانسان في تفاصيل يومه.

حين يجد المواطن ان موقفا عاما قد جرى الاستيلاء عليه، فهو لا يخسر مكانا لسيارته فقط؛ بل يخسر جزءا من حقه في المدينة.

وحين يضطر الى دفع المال مقابل مساحة عامة لم يثبت قانونا تخصيصها، فان المسألة تتجاوز قيمة المبلغ الى السؤال الاهم:

من يملك المدينة؟

والجواب الذي يجب ان يبقى راسخا لا لبس فيه:

المدينة للجميع، والشارع للجميع، والرصيف للجميع، والقانون فوق الجميع.

ولذلك، فان نجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد المركبات التي جرى ضبطها، ولا بعدد المخالفات التي سجلت.

سيقاس بشيء واحد:

هل ستستعيد عمان شوارعها بصورة دائمة؟

اذا حدث ذلك، فستكون الحملة قد فعلت اكثر من تنظيم الاصطفاف.

ستكون قد اعادت الاعتبار لفكرة بسيطة وعظيمة في الوقت نفسه:

ان المال العام ليس سائبا، وان الحق العام ليس يتيما، وان الدولة حين تقرر حماية القانون تستطيع ان تفعل.

ولعل هذه اللحظة مناسبة لرسالة الى كل الجهات المعنية:

لا تجعلوا هذه الحملة خبرا عابرا.

اجعلوها مشروعا وطنيا صغيرا في حجمه، كبيرا في معناه.

ليكن عنوانه واضحا:

استرداد الحق العام.

ولتكن عمان نموذجا في ذلك.

فما تحتاجه المدينة ليس المزيد من الحواجز، بل المزيد من النظام.

ولا تحتاج الى مزيد من المتنفذين على ارصفتها، بل الى قانون واحد يسري على الجميع.

ولا تحتاج الى مواطن يبحث عمن يسمح له بالوقوف، بل الى مواطن يعرف ان حقه محفوظ بالقانون.

وفي النهاية، ليست المسألة اين سيضع المواطن سيارته فقط.

المسألة اين تضع الدولة حدودها.

وحين تضع الدولة حدودا واضحة بين الملكية الخاصة والحق العام، وبين الترخيص والتجاوز، وبين الخدمة المشروعة واستغلال الطريق، فانها لا تنظف شوارع عمان فحسب.

انها تنظف معنى القانون نفسه.

ولذلك، فان الرسالة التي ينبغي ان تخرج من عمان اليوم ليست موجهة الى اصحاب الفاليه وحدهم، ولا الى اصحاب المحال والمنشآت، ولا الى السائقين.

انها رسالة الى الجميع:

من حقك ان تمارس نشاطك، وليس من حقك ان تستولي على حق غيرك.

ومن حقك ان تعمل، وليس من حقك ان تحتل الطريق.

ومن حقك ان تربح، وليس من حقك ان يكون ربحك على حساب الملك العام.

ومن حق المواطن، قبل كل شيء، ان يمشي في مدينته وهو يعرف ان خلفه دولة تحرس حقه.

عمان لا تحتاج الى معجزة.

تحتاج فقط الى قانون يطبق، ومؤسسات تتعاون، ورقابة لا تنام، وعدالة لا ترى الاسم قبل المخالفة.

وحينها فقط، يمكن ان نقول ان عمان لا تستعيد شوارعها وحسب.

بل تستعيد هيبة الحق العام.

وهذا هو الانتصار الحقيقي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :