facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




في يوم المعلم .. المعلومة تتغير والإنسان يبقى


د. هيفاء ابوغزالة
05-10-2026 02:38 PM

بدأت حياتي المهنية معلمةً للمرحلة الثانوية، وكانت تلك المرحلة من حياتي من التجارب التي لا أنساها. دخلت الصف وأنا أحمل ما تعلمته وأفكر في كيفية نقله إلى طالباتي، لكنني اكتشفت سريعاً أن التعليم ليس كتاباً وسبورة وامتحاناً، وأن المعلم لا يترك في حياة طلابه ما يعرفه فقط، بل يترك شيئاً من شخصيته وكلماته وطريقته في النظر إليهم وإلى قدراتهم.

ومع مرور السنوات وتعدد المواقع والمسؤوليات التي انتقلت إليها، بقيت تجربة التعليم حاضرة في ذاكرتي بصورة مختلفة. ربما لأنها علمتني مبكراً أن بناء الإنسان أصعب بكثير من نقل المعلومة إليه، وأن كلمة يقولها المعلم في دقائق قد تبقى في ذاكرة طالب سنوات طويلة، وربما ترافقه طوال حياته.

وفي يوم المعلم، يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحاً: ماذا يعني أن تكون معلماً في عالم أصبحت فيه المعرفة في جيب كل طالب؟

الهاتف يجيب، ومحركات البحث تفتح أبواباً لا تنتهي من المعلومات، والذكاء الاصطناعي يشرح ويلخص ويترجم ويكتب ويحل المسائل في ثوانٍ. ولم يعد الطالب ينتظر معلمه ليعرف المعلومة كما كان يحدث في السابق.

فهل أصبح المعلم أقل أهمية؟

على العكس تماماً. أعتقد أننا نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لأن المشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في فيضها. ولم يعد السؤال: أين نجد المعرفة؟ بل كيف نعرف الصحيح من الزائف، والمعلومة من التضليل، والمعرفة من الضجيج؟ وكيف نمنع أجيالاً تمتلك آلاف الإجابات من أن تفقد القدرة على صياغة سؤال جيد؟

هنا يبدأ دور المعلم الذي نحتاجه للمستقبل.

لم يعد المطلوب أن يكون المعلم مخزناً للمعلومات، ولا أن ينافس هاتفاً أو برنامجاً ذكياً في سرعة الوصول إلى الإجابة. المطلوب أن يبني القدرة على التفكير، وأن يوقظ الفضول، وأن يعلم الطالب كيف يناقش ويحلل ويسأل ويتحقق، وكيف يستخدم التكنولوجيا من دون أن يسلمها عقله.

فالمعلم الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس من يعطي الطالب الإجابة فقط، بل من يجعله قادراً على أن يسأل: لماذا هذه الإجابة؟ وهل هي صحيحة؟ وهل هناك إجابة أخرى؟

لكن قيمة المعلم لا تتوقف عند المعرفة.

فالتعليم علاقة إنسانية قبل أن يكون عملية أكاديمية. هناك طالب قد تغير حياته كلمة تشجيع، وآخر يحتاج إلى من يكتشف موهبته قبل أن يكتشفها هو، وثالث قد يكون على وشك الاستسلام فيأتي معلم ليقول له: أنت تستطيع.

ومن منا لا يحمل في ذاكرته معلماً بعد عشرات السنين؟

قد ننسى الكثير مما حفظناه للامتحانات، وقد ننسى صفحات الكتب، لكننا لا ننسى من احترم عقولنا، ومن شجعنا، ومن جعلنا نحب مادة كنا نخاف منها، أو فتح أمامنا باباً لم نكن نعرف أنه موجود.

وهذه تحديداً هي المساحة التي لا تستطيع التكنولوجيا أن تحتلها.

وإذا كنا نريد معلماً بهذه المسؤولية، فعلينا أن نسأل أنفسنا أيضاً: هل أعطيناه ما يستحقه من مكانة وتقدير وتأهيل؟ لا يجوز أن نطالبه بصناعة أجيال المستقبل، ثم نتعامل معه باعتباره مجرد موظف ينفذ منهاجاً وينتهي دوره عند جرس الحصة.

المجتمعات التي تريد مستقبلاً أفضل تبدأ من معلميها. تستثمر فيهم، وتطور أدواتهم، وتحفظ مكانتهم، وتجعلهم شركاء في صناعة المستقبل لا مجرد شهود على سرعة تغيره.

لقد تغير الصف كثيراً منذ وقفت للمرة الأولى أمام طالباتي. تغير اللوح، والكتاب، ووسائل التعليم، ودخلت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى حياة الطالب والمعلم معاً. وسوف تتغير أدوات كثيرة أخرى في السنوات المقبلة.

لكن شيئاً واحداً لن يتغير: سيبقى الإنسان بحاجة إلى إنسان يساعده على اكتشاف نفسه.

وفي يوم المعلم، أعود بذاكرتي إلى بداياتي في الصف باعتزاز، وإلى حقيقة تعلمتها منذ ذلك الوقت ولم تغيرها السنوات: قد ينسى الطالب الدرس، وقد ينسى الامتحان، وربما ينسى الكتاب كله، لكنه نادراً ما ينسى معلماً جعله يؤمن بنفسه.

لذلك، ونحن نحتفي بالمعلم في يومه، ربما علينا ألا نكتفي بكلمات الشكر، بل أن نسأل سؤالاً أكبر: هل نمنح المعلم اليوم المكانة والأدوات والثقة التي تليق بمن نطلب منه أن يصنع إنسان الغد؟

فمستقبل التعليم، مهما تطورت التكنولوجيا، لن يبدأ من الشاشة وحدها

سيبدأ دائماً من معلم





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :