facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين نطقت الدبابات الأردنية في تشرين… ملحمة الدم والبارود


د. فاطمة العقاربة
05-10-2026 08:20 PM

في تشرين الأول من عام 1973، لم تكن الأرض العربية تعرف لغةً سوى هدير المدافع، ولم تكن السماء تسمع إلا أزيز الطائرات، فيما كانت الدبابات تتقدم فوق أرضٍ مشبعةٍ بالغضب والانتظار.

كان تشرين موعداً للحرب، لكنه في الذاكرة الأردنية كان أيضاً موعداً مع الرجال.

رجالٌ لم يسألوا كم تبعد الجبهة، ولا كم سيكون ثمن الاقتراب منها، بل سألوا سؤالاً واحداً: أين يكون الواجب؟

وعندما جاء الجواب، تحركت الدبابات الأردنية نحو الجبهة السورية.

هناك، في الجولان، لم يكن اللواء المدرع الأربعون يخوض معركةً من أجل تسجيل حضور في صفحات التاريخ، بل كان يؤدي واجباً عسكرياً في لحظة عربية بالغة التعقيد، حين أصبحت الجبهة السورية بحاجة إلى الإسناد، وحين كان اقتراب المعركة من الحدود الأردنية يعني أن الأردن لا يستطيع أن يقف بعيداً عن مجريات الميدان.

ففي السادس عشر من تشرين الأول، تقدمت القوات الأردنية في معركة شرسة على الجبهة السورية، واندفعت الدبابات باتجاه مواقع القوات الإسرائيلية، لتفرض حضورها في واحدة من أبرز صفحات المشاركة الأردنية في حرب تشرين.

فلم تكن الدبابة الأردنية يومها مجرد آلة حرب.

كانت تحمل داخلها أربعة رجال، وخلف هؤلاء الرجال وطنٌ كامل.
كان صوت محركها رسالة.
وكان هدير مدفعها إعلاناً بأن الجيش العربي الأردني، الذي عرف طريقه إلى ساحات القتال منذ تأسيسه، لم يكن بعيداً عن معارك أمته عندما استدعى الواجب وجوده.
تقدمت الدبابات واشتعلت الأرض
وتداخل الدخان مع التراب.
وسقط الشهداء لكن الرجال
ظلوا في مواقعهم.

كانت المعركة قاسية، والهجمات المضادة عنيفة، والظروف الميدانية شديدة التعقيد. ومع ذلك، استطاعت القوات الأردنية أن تحقق تقدماً في مواقع القتال قبل أن تواجه ظروفاً فرضت عليها التراجع وإعادة الانتشار.
وفي التاسع عشر من تشرين، عادت الدبابات الأردنية إلى الهجوم.

مرة أخرى تقدم الرجال وتحدثت المدافع وكان الدم هو الثمن

ثلاثة وعشرون شهيداً أردنياً ارتقوا في معارك حرب تشرين على الجبهة السورية، لتبقى أسماؤهم جزءاً من ذاكرة الجيش العربي، وجزءاً من تاريخ وطنٍ لم يكن يرى أمنه منفصلاً عن محيطه العربي.

وهنا لا بد أن نتوقف فالتاريخ العسكري

لا يُقرأ فقط من خلال النتائج النهائية للمعارك، بل من خلال القرار، والقدرة على الحركة، وحجم التحدي، والظروف التي قاتل فيها الجنود.

وفي تشرين 1973، كان القرار الأردني واضحاً: إسناد الجبهة السورية عندما أصبحت بحاجة إلى الإسناد، وحماية الجبهة الأردنية، ومنع انتقال الخطر إلى الأراضي الأردنية تلك هي عقيدة الجيش ومدرسة الرجال فهذا هو الأردن

ولذلك فإن الحديث عن تشرين ليس استدعاءً للماضي من أجل الماضي، بل استحضارٌ لذاكرة عسكرية تشكلت فيها واحدة من أهم سمات الجندي الأردني: أن الواجب يسبق الحسابات، وأن الوطن يُحمى بالفعل لا بالشعارات.

لقد مرت عقود على حرب تشرين، وتغيرت الأسلحة، وتطورت التكنولوجيا، وتبدلت طبيعة الحروب. ولكن شئيا واحدا لم يتغير هو الجندي الأردني ذلك الذي يقف

على الحدود اليوم كما وقف رفاقه بالأمس.
ذلك الذي يعرف أن المعركة الحديثة قد لا تبدأ بمدفع، وقد لا تنتهي بدبابة، وأن حماية الوطن أصبحت تشمل الحدود، والمعلومة، والوعي، والأمن، والفضاء السيبراني، وكل ما يمكن أن يمس استقرار الدولة
لكن الروح ذاتها بقيت، روح الجندي الأردني
الذي قال فعله في تشرين ما عجزت الكلمات عن قوله فنطقت الدبابات الأردنية يومها بلسان الدم والبارود.

ونطق الشهداء بلسان الصمت الأبدي

ونطق الميدان باسم الأردن.

واليوم، حين نستعيد تلك الذكرى، فإننا لا نستعيد مشهداً من الماضي فحسب، بل نستعيد مدرسة عسكرية ووطنية عنوانها الانضباط، والواجب، والتضحية، والقدرة على الوقوف في أصعب اللحظات.

تشرين ليس مجرد شهر انه ذاكرة وطن وذاكرة الجيوش التي لا تموت

فكلما ارتفع هدير آلية عسكرية أردنية على أرض الوطن، وكلما وقف نشمي على ثغر من ثغور الأردن، بقي في ذلك الصوت شيء من أصوات أولئك الذين تقدموا في تشرين، يحملون سلاحهم، ويمضون نحو الميدان.

سلامٌ على شهداء تشرين ، سلام على رجال اللواء المدرع الأربعين
سلامٌ على كل جندي أردني كتب بدمه سطراً في تاريخ وطنه.
وفي تشرين، حين نطقت الدبابات الأردنية ،
كان الدم حاضراً، وكان البارود شاهداً، وكان الأردن حاضراً في الميدان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :