الإدارة العامة والترهل الإداري
المحامي د. معاذ وليد ابو دلو
06-10-2026 11:19 AM
وصلت حالة السلبية لدى المواطن الأردني، في بعض مظاهرها، إلى مستوى يكاد يكون قادرا على تشغيل مفاعل نووي. وهذه تعبير عن حالة تراكمت بفعل عوامل سياسية واقتصادية وإدارية واجتماعية، جعلت جزءا من المجتمع يميل إلى الانتظار والشكوى أكثر من المبادرة، و المشاركة، وإلى مراقبة المشهد أكثر من التأثير فيه.
وهذه الحالة لا يمكن فصلها عن جملة من العوامل، في مقدمتها الترهل الإداري، والتباطؤ في بعض مسارات العمل السياسي، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف الاستثمار في بعض القطاعات. وعندما تجتمع هذه العوامل، فإنها تصبح قادرة على إضعاف أي مشروع وطني يستهدف التطور والإصلاح، مهما كانت أهدافه وطموحاته.
ومن هنا يبرز سؤال لا بد من طرحه بوضوح، كيف نقيم اليوم واقع الإدارة العامة في الأردن؟ وهل نعاني فعلاً من ترهل إداري في بعض مؤسسات الدولة؟ سؤال برسم الإجابة من المختصين في الإدارة والقانون والسياسات العامة، ومن المسؤولين الذين تولوا مواقع قيادية في مراحل سابقة، ومن المواطن الذي يتعامل يوميا مع مؤسسات الدولة ومرافقها وخدماتها.
لقد كانت الإدارة الأردنية في مراحل سابقة محل دراسة واستفادة من دول عديدة، وخرجت منها كفاءات وخبرات ساهمت في بناء مؤسسات إدارية في دول أخرى، لكن السؤال اليوم، أين وصلت هذه التجربة؟ وهل ما زالت الإدارة العامة الأردنية تنتج الكفاءة ذاتها التي عرفت بها، أم أن بعض مؤسساتها بدأت تعاني من مظاهر تستحق المراجعة الجادة؟
الأردن يسير اليوم في مسارات للتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وهذا التحديث لا يمكن أن ينجح إذا بقيت الإدارة العامة بعيدة عن جوهر عملية الإصلاح ، فالتحديث الإداري يرتبط بصورة مباشرة بعمل السلطة التنفيذية وبالمرافق العامة والخدمية التي تمس حياة المواطن اليومية، من الصحة والتعليم والنقل والبلديات، إلى الاستثمار والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
فالمواطن لا يتعامل مع الدولة من خلال النصوص الدستورية والقوانين فقط، وإنما يلمس حضور الدولة من خلال الموظف والمرفق العام والإجراء والقرار والخدمة المقدمة له، ولذلك فإن كفاءة الإدارة العامة تمثل، في جانب أساسي منها، الصورة العملية لقدرة الدولة على ترجمة سياساتها وتشريعاتها إلى واقع ملموس.
ولا يمكن إنكار وجود مؤسسات وكفاءات وطنية تؤدي أعمالها بكفاءة ومسؤولية، وهذا أمر يجب التأكيد عليه حتى لا يتحول الحديث عن الترهل الإداري إلى تعميم غير منصف ، لكن في المقابل، فإن وجود مظاهر للبطء أو التعقيد أو ضعف القرار في بعض المؤسسات يستوجب التشخيص والمعالجة، لأن المشكلة الإدارية الصغيرة إذا تركت دون علاج يمكن أن تتحول مع الوقت إلى ثقافة مؤسسية.
والترهل الإداري لا يعني فقط زيادة أعداد الموظفين، بل قد يكون أكثر خطورة عندما يظهر في بطء اتخاذ القرار، وتعدد المرجعيات، وتداخل الصلاحيات، وكثرة اللجان، وضعف المساءلة، وعدم تجديد القيادات، واستمرار المسؤول في موقعه لفترات طويلة دون تقييم حقيقي لأدائه أو قدرة واضحة على تقديم إضافة جديدة للمؤسسة.
وهنا تبرز أهمية القيادة الإدارية ، فالإدارة الحديثة تقوم على الكفاءة والإنجاز والتقييم المستمر، وليس على البقاء في الموقع باعتباره حقا مكتسباً ، ولذلك فإن تجديد القيادات يجب أن يكون جزءا من الإصلاح الإداري، وربط استمرار المسؤول في موقعه بقدرته على تحقيق أهداف واضحة وقابلة للقياس، وليس بمجرد مرور السنوات.
كما أن كثرة اللجان، وإن كانت ضرورية في بعض الملفات، قد تتحول إلى عائق أمام القرار عندما تصبح بديلا عن الإدارة، أو عندما تستخدم لتأجيل القرار وتوزيع المسؤولية بدلا من تحملها، والدولة التي تحتاج إلى لجنة لكل قرار هي دولة تحتاج إلى مراجعة آليات اتخاذ القرار لديها.
ومن المنظور القانوني، فإن الإصلاح الإداري لا ينفصل عن مبدأ سيادة القانون ، فالوظيفة العامة ليست امتيازاً، وإنما مسؤولية قانونية وأمانة تتصل بالمصلحة العامة ،والموظف العام، أيا كان موقعه، يخضع للقانون، كما يخضع المسؤول الإداري للمساءلة عن القرارات والأفعال التي تقع ضمن اختصاصه.
من هنا فإن تفعيل المساءلة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره أداة للعقاب، بل باعتباره وسيلة لحماية المرفق العام ، كما أن مبدأ الثواب والعقاب يجب أن يكون قائماً على معايير واضحة وعادلة؛ فمن ينجز ويطور ويبتكر ويحسن الخدمة العامة ينبغي أن يجد التقدير، ومن يثبت تقصيره أو مخالفته للقانون والأنظمة والتعليمات ينبغي أن يخضع للمساءلة.
فأخطر مراحل الترهل الإداري ليست عندما يقع الخطأ، وإنما عندما يصبح الخطأ أمرا معتادا، ويتحول البطء إلى ثقافة، ويصبح تأجيل القرار وسيلة آمنة، وتصبح عبارة “هيك الأمور ماشية” مبررا لاستمرار الخلل.
والإصلاح الإداري الحقيقي لا يكون بمجرد تغيير الهياكل أو المسميات الوظيفية، وإنما بإعادة بناء الثقافة الإدارية نفسها ،كيف نختار المسؤول؟ كيف نقيس أداءه؟ من يحاسبه؟ كيف نكافئ الموظف الكفؤ؟ وكيف نضمن أن القرار الإداري يصدر في الوقت المناسب وبعيداً عن التعقيد غير المبرر؟
إن تطوير القطاع العام ليس ملفا إداريا منفصلا عن التحديث السياسي والاقتصادي. فالإدارة الكفؤة تعزز الاستقرار السياسي، وتحسن بيئة الأعمال، وتسرع الإجراءات، وتدعم الاستثمار، وترفع مستوى الثقة بمؤسسات الدولة ، وفي المقابل، فإن الإدارة البطيئة والمعقدة وضعف المساءلة وتداخل الصلاحيات يمكن أن تنعكس سلباً على الاقتصاد والاستثمار وعلى علاقة المواطن بمؤسسات الدولة وسلطاتها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ، هل يوجد ترهل إداري؟ وإنما ،أين يوجد؟ وما أسبابه؟ وكيف نقيسه؟ ومن المسؤول عن معالجته؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى تقييم مؤسسي صريح، وبيانات، ومؤشرات أداء، ومراجعة دورية للقيادات والبرامج والإجراءات فالإدارة العامة لا تتطور بالنوايا والشعارات وحدها، وإنما بالقياس والمساءلة والقرار.
الأردن لا تنقصه الكفاءات ولا الخبرات، كما أن تاريخه الإداري يحمل تجارب مهمة يمكن البناء عليها ،لكن المرحلة الحالية تحتاج إلى إدارة تعتمد تعتمد على الكفاءة والنتائج والمساءلة وسرعة الإنجاز.
إن تحديث الإدارة العامة يجب أن يكون في قلب مشروع الدولة للتحديث، لأن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بجودة قوانينها، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون، وإدارة مواردها، وتقديم خدماتها، وحماية المال العام، ومحاسبة المقصر، وتحفيز المنجز.
ونهاية الأمر، فإن مكافحة الترهل الإداري ليست حرباً على الموظف العام، ولا انتقاصاً من مؤسسات الدولة، وإنما دفاع عن الإدارة العامة نفسها وعن كفاءتها وهيبتها ودورها في خدمة المواطن.
فالمطلوب ليس هدم ما تم بناؤه، وإنما إصلاح وتجويد ومحاسبة من يثبت تقصيره، ودعم من يثبت كفاءته.
وعندما تصبح الكفاءة معياراً، والمساءلة ممارسة، وسيادة القانون قاعدة، والإنجاز أساساً للاستمرار في المسؤولية، فإن الإدارة العامة تصبح قوة للدولة لا عبئا عليها.
فالإصلاح الإداري ليس ترفاً، بل شرط من شروط الدولة القادرة والقوية، وكلما كانت الإدارة أكثر كفاءة وخضوعاً للقانون، كان المواطن أكثر ثقة بمؤسساته، وكانت الدولة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.