facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تصبح الإساءة محتوى .. من يحمي الجيل الأردني من الفوضى الرقمية؟


مهند الهندي - دبي
06-10-2026 11:47 AM

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، بل أصبحت جزءاً من المشهد الذي يؤثر في وعي الأجيال وطريقة تفكيرها ونظرتها إلى النجاح والشهرة والمال. ومع هذا الانتشار، برزت بعض الظواهر التي تستحق التوقف، خصوصاً عندما تتحول بعض المنصات إلى مساحة للإساءة اللفظية والتنمر والعنصرية وإثارة الخلافات، بحثاً عن المشاهدات والمتابعين والدعم المالي.

وتبرز منصة «تيك توك» مثالاً واضحاً على هذا التحول. فالدعم والهدايا الرقمية وصناعة المحتوى ليست مشكلة بحد ذاتها، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المحتوى الأكثر استفزازاً وإثارة للجدل هو الأكثر قدرة على جذب الجمهور وتحقيق المال. وهنا يبرز السؤال: ماذا يحدث عندما يصبح الاستفزاز أكثر ربحاً من الإبداع؟

الخطورة ليست في مقطع عابر، وإنما في الرسالة التي قد تصل إلى جيل جديد يرى أن الشهرة يمكن أن تتحقق بالصوت المرتفع والمشاجرة والإساءة، بينما يحتاج العلم والعمل والموهبة إلى سنوات من الجهد. وعندما تتحول الإساءة إلى وسيلة للانتشار، فإننا أمام مشكلة تتجاوز الترفيه إلى التأثير في منظومة القيم نفسها.

المجتمع الأردني له قيم راسخة تربى عليها أجيال؛ العائلة والكرامة والنخوة والاحترام وحسن التعامل. ولا يجوز أن تصبح بعض النماذج المسيئة على منصات التواصل صورة تختصر الأردن أو تمثل أخلاقه. قد نختلف، لكننا لا نهين، وقد ننتقد، لكننا لا نشهّر، وقد نبحث عن النجاح، لكننا لا نحتاج إلى إسقاط الآخرين حتى نصل.

والتحدي اليوم لا يقع على الأسرة وحدها. فالهاتف أصبح نافذة مفتوحة يدخل منها إلى حياة أبنائنا محتوى متنوع على مدار الساعة. ولذلك نحن بحاجة إلى تربية رقمية تعلم أبناءنا كيف يميزون بين المحتوى الهادف والمحتوى الذي يستغل فضولهم، وكيف يستخدمون التكنولوجيا دون أن يفقدوا قيمهم.

وقد قال المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه: «الإنسان أغلى ما نملك». واليوم، حماية الإنسان لا تعني فقط تعليمه وتأهيله، وإنما حماية وعيه وكرامته أيضاً في العالم الرقمي.

وفي الوقت نفسه، فإن حماية المجتمع لا تعني تقييد حرية التعبير. هناك فرق بين الرأي والإساءة، وبين النقد والتشهير، وبين الاختلاف والتحريض على الكراهية والعنصرية. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون القانون حاضراً في الفضاء الرقمي كما هو حاضر في الحياة الواقعية، وأن يعرف الجميع أن الحرية تقترن بالمسؤولية.

«من أمن العقوبة أساء الأدب»، ولذلك فإن تطبيق القانون بصورة عادلة على التجاوزات التي تستحق المساءلة يشكل رادعاً مهماً، ويحمي الناس من أن تتحول كرامتهم إلى مادة للترفيه أو وسيلة لجمع المشاهدات والأموال.

لكن القانون وحده لا يكفي. نحتاج إلى دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع، وإلى دعم المحتوى الذي يقدم قيمة حقيقية. نريد أن يصبح صاحب العلم مشهوراً، وصاحب الموهبة مشهوراً، وصاحب المشروع الناجح مشهوراً، والشاب الذي يعمل ويجتهد نموذجاً يحتذى به.

وفي النهاية، القضية ليست قضية «تيك توك» وحده، وإنما قضية أكبر: أي جيل نريد أن نتركه خلفنا؟ جيل يقيس النجاح بعدد المتابعين والهدايا، أم جيل يقيسه بالعلم والعمل والأخلاق والإنجاز؟

نحن لا نحتاج إلى محاربة التكنولوجيا، وإنما إلى استخدامها بوعي، وإلى صناعة محتوى أردني يليق بالأردن، ويبرز العلم والثقافة والموهبة وقصص النجاح الحقيقية.

فليس كل ما يحقق المشاهدات يستحق أن يكون قدوة، وليس كل مشهور نموذجاً للنجاح. وإذا كان الإنسان أغلى ما نملك، فإن حماية وعيه وكرامته وأخلاقه في العالم الرقمي يجب أن تكون من أغلى ما نحرص عليه.

فالأوطان لا تُبنى فقط بما نشيده على الأرض، وإنما أيضاً بما نزرعه في عقول أبنائنا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :