facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من نيويورك إلى عمّان… حين يُقاس أمين المدينة بما يراه المواطن


كابتن أسامة شقمان
06-10-2026 09:59 PM

في المدن الكبرى لا يسأل الناس رئيس البلدية كثيرًا عن أيديولوجيته، بل عن الحفرة أمام بيتهم والحافلة التي تأخرت والرصيف الذي اختفى والإيجار الذي يلتهم الراتب والحديقة التي يحتاجها أطفالهم. فالمدينة، في النهاية ليست خطابًا سياسيًا، إنها تفاصيل يومية وإذا فشلت الإدارة في التفاصيل فلن تنقذها أعظم الشعارات.

من هنا تستحق تجربة زهران ممداني، الذي تسلّم منصب عمدة نيويورك في الأول من كانون الثاني 2026 القراءة بعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع أفكاره السياسية، فالرجل الذي دخل بلدية واحدة من أعقد مدن العالم لم يكتفِ بالحديث عن القضايا الكبرى، بل حاول أن يربط السياسة بما يدفعه المواطن من جيبه وما يراه تحت قدميه كل صباح.

خلال أول مئة يوم من إدارته، أعلنت المدينة أنها أصلحت أكثر من مئة ألف حفرة في الشوارع وهو أعلى عدد يُنجز خلال الفترة نفسها منذ أكثر من عقد وفي الوقت ذاته تحركت الإدارة في ملفات السكن وحماية المستأجرين ووصلت إجراءاتها وتسوياتها إلى آلاف الشقق. هذه ليست مشاريع براقة تصلح للصور التذكارية بقدر ما هي فلسفة تقول إن مهمة البلدية تبدأ أحيانًا من الإسفلت قبل الأبراج وقد تابعت وكالة أسوشيتد برس أداء ممداني في أيامه المئة الأولى، مشيرة إلى المزج بين القضايا الكبيرة والمشكلات اليومية الصغيرة في أسلوب إدارته.

وفي السكن، أعلنت إدارته أنها موّلت إنشاء أو الحفاظ على 12,491 مسكنًا ميسّرًا خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 ضمن التزام رأسمالي بقيمة 22 مليار دولار على خمس سنوات للإسكان الميسّر. كما جعل رعاية الأطفال جزءًا من مفهوم البنية التحتية للمدينة فتوصّل مع ولاية نيويورك إلى اتفاق بقيمة 1.2 مليار دولار لتوسيع الرعاية المجانية، يبدأ بآلاف المقاعد للأطفال في عمر السنتين ويتوسع تدريجيًا.

حتى قضية أسعار الغذاء دخلت قاموس البلدية، فإدارته تعمل على إنشاء خمسة متاجر بقالة مملوكة للمدينة واحد في كل منطقة من مناطق نيويورك الخمس مع خطة لبيع مجموعة من المواد الأساسية بأسعار تقل بنحو 30 في المئة عن الأسعار المعتادة، أول متجر لن يفتح قبل 2027 ولذلك فهذا المشروع ما يزال وعدًا قيد التنفيذ لا إنجازًا مكتملًا.
وللإنصاف، ليست قصة ممداني سلسلة نجاحات بلا اعتراض، فقد بقي وعده بجعل الحافلات مجانية غير منجز حتى الآن وهو نفسه قال في آب إن إدارته ما زالت تعمل مع ولاية نيويورك لتحقيقه، أما تجميد إيجارات نحو مليون شقة خاضعة لتنظيم الإيجارات فقد أُقر بالفعل، لكنه أصبح موضوع نزاع قضائي وانتقادات من ملاك العقارات الذين يقولون إن القرار قد يؤثر في قدرتهم على صيانة الأبنية فيما يراه المدافعون عن المستأجرين حماية ضرورية أمام أزمة كلفة السكن.

وهنا أصل إلى عمّان.

المقارنة بين نيويورك وعمّان لا يمكن أن تكون مقارنة أرقام، ميزانية نيويورك للسنة المالية 2027 تبلغ نحو 125.8 مليار دولار، بينما بلغت موازنة أمانة عمّان لعام 2026 قرابة 367 مليون دينار أردني. كما تختلف الصلاحيات والنظام السياسي وحجم الاقتصاد والسكان جذريًا. لذلك سيكون من الظلم أن نقول لعمّان. افعلي ما تفعله نيويورك بالأرقام نفسها. لكن من المشروع تمامًا أن نسألها. لماذا لا نستعير طريقة التفكير؟

وهناك ملاحظة ضرورية أيضًا. منذ 11 آب 2026 أصبح المهندس أحمد الملكاوي رئيس لجنة أمانة عمّان الكبرى، ولذلك لا يمكن تحميله حصيلة سنوات سابقة وهو لم يمضِ في موقعه سوى فترة قصيرة. كما أن مجلس أمانة عمّان كان قد حُل في تموز 2025 وشُكلت لجنة مؤقتة لإدارة الأمانة ما يجعل البنية الإدارية نفسها مختلفة عن نموذج عمدة نيويورك المنتخب مباشرة.

ولعمّان إنجازاتها التي لا يجوز تجاهلها. فقد قطعت الأمانة شوطًا كبيرًا في التحول الرقمي وتقول إنها توفر 154 خدمة إلكترونية كما توسعت منظومة النقل العام والباص سريع التردد وتعمل المدينة على استراتيجية للمدينة الذكية وإدارة مرورية تعتمد البيانات وخطط للمساحات الخضراء والاستدامة. الإدارة الحالية برئاسة الملكاوي أعلنت أيضًا استمرارها في استكمال المشاريع وتحسين الخدمات وتبسيط الإجراءات وبدأت خطوات إضافية لتحديث البنية التحتية الرقمية للأمانة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس. هل لدى أمانة عمّان مشاريع؟ بالتأكيد لديها. السؤال الأصعب هو. كم من هذه المشاريع يستطيع المواطن أن يلمسه في تفاصيل يومه؟

المواطن لا يعيش داخل الخطة الاستراتيجية، يعيش في شارع لا يقود سيارته فوق عرض تقديمي، يقودها فوق الإسفلت ولا يمشي على تقرير عن - المدينة الذكية - يمشي على رصيف إن وُجد أصلًا.

وهنا ربما تكون أهم فكرة يمكن استعارتها من تجربة نيويورك. تحويل الإدارة البلدية إلى أرقام يستطيع المواطن محاسبتها عليها. كم حفرة أُصلحت هذا الشهر؟ كم مترًا من الأرصفة أُعيد إلى المشاة ؟ كم دقيقة انخفض متوسط زمن الرحلة في النقل العام ؟ كم حديقة جديدة افتُتحت في شرق عمّان كما في غربها ؟ كم شكوى وردت وكم واحدة حُلّت وكم استغرقت ؟ وكم منطقة حصلت على الخدمة لا كم مؤتمرًا عُقد عنها؟

حتى ممداني أنشأ منصة تعرض ما أنجزته إدارته خلال المئة يوم الأولى ومواقع تلك الإنجازات على خريطة المدينة، الفكرة هنا ليست أن ننسخ نيويورك، بل أن يصبح الإنجاز البلدي قابلًا للرؤية والعدّ والتحقق.

ربما تحتاج عمّان في مرحلتها المقبلة إلى فلسفة بسيطة. أن يتجول رئيس الأمانة في المدينة بعين المواطن لا بعين المخطط وحده، أن يرى الحفرة قبل التقرير عنها وأن يسأل لماذا يحتاج الأردني إلى سيارته في معظم تنقلاته ولماذا أصبح الرصيف في بعض الشوارع امتدادًا للمحل أو موقفًا للمركبات ولماذا توجد أحياء تشعر أنها أقرب إلى قلب المدينة من أحياء أخرى.

لا أريد من أمين عمّان أن يصبح ممداني ولا من عمّان أن تصبح نيويورك، فلكل مدينة تاريخها واقتصادها وشخصيتها ومشكلاتها، ما أتمناه أبسط من ذلك بكثير. أن نتعلم أن إدارة المدن ليست فن الإعلان عن المشاريع، بل فن جعل الإنسان يشعر بأن المدينة تعمل من أجله.

فالمدينة العظيمة ليست التي تبني أعلى الأبراج ولا التي تستخدم أكثر المصطلحات حداثة، بل التي يستطيع طفلها أن يجد حديقة وشيخها أن يجد رصيفًا وموظفها أن يصل إلى عمله بنقل عام محترم وصاحب المحل أن ينجز معاملته من دون أن يضيع يومه. وعندما يصبح المواطن قادرًا على أن يقول. كان هذا الشارع سيئًا فأصبح أفضل، كانت هذه الرحلة تستغرق ساعة فأصبحت أربعين دقيقة، كانت هذه المعاملة تحتاج أيامًا فأصبحت دقائق، عندها فقط تتحول البلدية من مؤسسة ندفع لها الرسوم إلى مؤسسة نشعر بوجودها في حياتنا.

وهذا، في رأيي هو السؤال الذي تطرحه تجربة ممداني على عمّان, ليس كم مشروعًا تملك المدينة… بل كم مرة شعر المواطن هذا العام أن مدينته أصبحت أفضل؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :