facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كلفة القوة: هل يستطيع الاقتصاد الأمريكي تحمّل أعباء الدور العالمي؟


د. حمد الكساسبة
06-10-2026 10:36 PM

التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم ليس في حجم قوتها، بل في قدرتها على تحمّل كلفتها المتزايدة خلال السنوات المقبلة. فالقوة الأمريكية لا تقوم فقط على الجيش والدولار والتكنولوجيا، بل على قدرة الاقتصاد والمالية العامة على تمويلها لسنوات طويلة. ومن هنا يصبح السؤال الأهم أقل ارتباطاً بحجم القوة اليوم، وأكثر ارتباطاً بقدرة واشنطن على تحمّل كلفتها غداً من دون أن تستهلك التزامات الحاضر الموارد التي تحتاجها للمستقبل.

أول الضغوط يأتي من الدين. ففي عام ٢٠٢٦ تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي ٤٠ تريليون دولار، وهو مستوى يزيد على ١٢٠ بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولتجنب الخلط، يختلف هذا الرقم عن الدين الذي يحمله الجمهور، وهو المقياس الذي يستخدمه مكتب الموازنة في الكونغرس في توقعاته؛ إذ يعادل نحو ١٠١ بالمئة من الناتج في ٢٠٢٦، وقد يرتفع إلى ١٢٠ بالمئة بحلول ٢٠٣٦. وفي الفترة نفسها قد يتسع العجز السنوي من نحو ١٫٩ تريليون دولار إلى ٣٫١ تريليون دولار. الاتجاه هنا أهم من الرقم المنفرد: الاقتراض مستمر، ومساحة الحركة المالية تضيق تدريجياً.

ويصبح أثر الدين أوضح عند النظر إلى الفائدة. فصافي مدفوعات الفائدة يقترب من تريليون دولار في ٢٠٢٦، وقد يصل إلى نحو ٢٫١ تريليون دولار في ٢٠٣٦. وهذه كلفة لا تبني مصنعاً ولا جامعة ولا شبكة نقل، بل تدفع ثمن اقتراض سابق. ومع ارتفاعها، تشتد المنافسة داخل الموازنة بين خدمة الماضي وتمويل المستقبل. وهذا هو الجانب الأخطر في المديونية: قدرتها على مزاحمة الإنفاق الذي يرفع الإنتاجية ويصنع مصادر قوة جديدة.

الضغط لا يأتي من الفائدة وحدها. فشيخوخة السكان ترفع كلفة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، بينما تبقى برامج مثل ميديكير من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي. وهذا يعني أن جزءاً متزايداً من الموازنة يصبح مرتبطاً بالتزامات يصعب خفضها بسرعة، فيما يذهب جزء آخر إلى خدمة الدين. والنتيجة هي موازنة أقل مرونة، ومساحة أضيق للاستثمار أو التعامل مع أزمات جديدة.

وفي الوقت نفسه، لا تبدو الالتزامات العسكرية مرشحة للتراجع. فقد بلغ طلب موارد الدفاع الوطني للسنة المالية ٢٠٢٦ نحو ١٫٠١ تريليون دولار، وهو رقم قريب من صافي كلفة الفائدة السنوية. وهذه المقارنة تختصر جانباً مهماً من المشكلة: واشنطن تدفع تقريباً كلفة موازنة دفاع كاملة لخدمة الدين، بينما تحتاج أيضاً إلى تمويل المنافسة مع الصين، والالتزامات في أوروبا والشرق الأوسط، وتحديث القدرات النووية والفضائية والسيبرانية.

لكن المنافسة مع الصين تجعل المعادلة أصعب من مجرد زيادة الإنفاق العسكري. فالتنافس يمتد إلى الرقائق والذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن الحرجة والصناعة وسلاسل الإمداد. وهذه مجالات تحتاج استثماراً داخلياً ضخماً حتى تبقى الولايات المتحدة قادرة على قيادة التكنولوجيا والإنتاج. لذلك، كلما ارتفعت كلفة الدين والبرامج الإلزامية والدفاع، زاد السؤال إلحاحاً: كم يبقى من الموارد للاستثمار في الاقتصاد الذي يمول القوة نفسها؟

ومع ارتفاع هذه الأعباء، يصبح مفهوماً أن تبحث واشنطن عن أدوات توسّع هامشها الاقتصادي والاستراتيجي، ومنها الطاقة والموارد والممرات الحيوية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب من اهتمامها بفنزويلا والشرق الأوسط. ليس دقيقاً اعتبار هذه التحركات وسيلة مباشرة لتخفيف الدين، لكن استقرار الطاقة وحماية طرق التجارة وتوسيع النفوذ في أسواق الموارد يمكن أن يقلل بعض المخاطر ويعزز قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، يبقى علاج المديونية مرتبطاً بالنمو والإيرادات والانضباط المالي في الداخل.

التجربة البريطانية تقدم هنا درساً مفيداً من دون افتراض أن التاريخ سيكرر نفسه. فبريطانيا لم تفقد نفوذها في لحظة واحدة، بل تقلص هامش حركتها عندما أصبحت التزاماتها الخارجية أثقل مقارنة بقدرتها الاقتصادية. وكشفت أزمة السويس عام ١٩٥٦ أن القوة السياسية والعسكرية لا تنفصل عن القدرة على تمويل استخدامها. الولايات المتحدة اليوم أقوى بكثير من بريطانيا آنذاك، لكن المبدأ يبقى مهماً: التراجع النسبي قد يبدأ عندما ترتفع كلفة الحفاظ على الموقع أسرع من نمو الموارد التي تموله.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي خلال العقد المقبل لن يكون في قدرة أمريكا على الاقتراض أو الإنفاق أكثر، بل في قدرتها على الجمع بين ضبط مسار الدين، وتمويل الالتزامات الاجتماعية، والحفاظ على الردع العسكري، والاستثمار في مصادر النمو المقبلة. وإذا اقترب الدين الذي يحمله الجمهور من ١٢٠ بالمئة من الناتج بحلول ٢٠٣٦، مع استمرار ارتفاع الفائدة، فستصبح الخيارات أصعب. عندها لن يكون السؤال عن حجم القوة الأمريكية فقط، بل عن الثمن الذي تدفعه للحفاظ عليها، وما الذي قد تضطر إلى تأجيله في الداخل كي تستمر في تمويل دورها في الخارج.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :