facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاقتصاد الأردني في مواجهة الأزمات العالمية


المحامي جمال الخطاطبة
08-10-2026 04:55 PM

لم يعد بالإمكان التعامل مع الأزمات التي تواجه الاقتصاد الأردني باعتبارها تحديات داخلية منفصلة عما يشهده العالم من اضطرابات سياسية واقتصادية متلاحقة. ففي عالم تتشابك فيه الحروب مع التجارة، وتتداخل فيه أسواق الطاقة مع سلاسل الإمداد، وتتأثر فيه الاستثمارات بالتوترات الجيوسياسية، أصبح الاقتصاد الأردني أكثر ارتباطًا بالتطورات الإقليمية والدولية، وأكثر عرضة لانعكاساتها على أسعار الطاقة والغذاء، وحركة التجارة، والسياحة، والاستثمار.

وعلى الرغم من قدرة الأردن على الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي في مواجهة أزمات متعاقبة، فإن الاستقرار، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لضمان القدرة على مواجهة التحديات المستقبلية. فالمطلوب اليوم ليس مجرد إدارة الأزمات عند وقوعها، بل بناء اقتصاد أكثر متانة ومرونة، قادر على امتصاص الصدمات وتقليل آثارها، وتحويل التحديات الخارجية إلى فرص حقيقية للنمو والتنمية. وهذا يتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى استراتيجية بناء القوة الاقتصادية المستدامة.

يمتلك الأردن موارد طبيعية يمكن أن تشكل ركيزة أساسية لتعزيز اقتصاده الوطني، وفي مقدمتها الفوسفات والبوتاس والبرومين وغيرها من الثروات المعدنية. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الموارد لا تتحقق بمجرد استخراجها وتصديرها بصورتها الأولية، بل من خلال تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها، بما يرفع قيمتها المضافة، ويوسع الأسواق المستهدفة، ويوفر فرص عمل نوعية، ويعزز القدرة التنافسية للمنتجات الأردنية.

إن الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصنيعها محليًا من شأنه أن يفتح آفاقًا أوسع أمام الاقتصاد الوطني، ويزيد مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، ويعزز الإيرادات العامة، ويمنح الأردن قدرة أكبر على الاستفادة من موارده بدلًا من الاكتفاء بتصديرها إلى أسواق خارجية تستكمل فيها مراحل التصنيع وتستحوذ على جانب أكبر من القيمة الاقتصادية.

وفي ظل محدودية مصادر الطاقة التقليدية في الأردن، وما يرافقها من تقلبات في الأسعار العالمية، تبرز الطاقة المتجددة باعتبارها ضرورة اقتصادية واستراتيجية، وليست مجرد خيار بيئي. فالأردن يتمتع بإمكانات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية، ويمكن استثمار هذه الميزة في خفض كلفة الطاقة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز أمن التزود بالطاقة، والحد من تأثر الاقتصاد بالتقلبات الخارجية.

لكن الاستفادة الحقيقية من الطاقة المتجددة تتطلب تجاوز مرحلة إنتاج الكهرباء إلى توظيفها في دعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة والنقل وتحلية المياه. كما تستدعي تطوير البنية التحتية للشبكات، وتحسين كفاءة التخزين والتوزيع، وتشجيع الاستثمارات التي تربط الطاقة بالإنتاج، بما يسهم في خفض الكلف التشغيلية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الأردني.

ولا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية مستدامة في الأردن دون وضع قضية المياه في مقدمة الأولويات الوطنية. فشح المياه لا يمثل تحديًا خدميًا فحسب، بل يشكل عاملًا مؤثرًا في الأمن الغذائي، والاستثمار الزراعي والصناعي، والنمو السكاني، وجودة الحياة. ومن هنا، يصبح الاستثمار في تحلية المياه، وتقليل الفاقد في شبكات التوزيع، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتطوير أساليب الري الحديثة، وتبني تقنيات الزراعة الذكية، ضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل.

كما ينبغي تعزيز كفاءة إدارة الموارد المائية وربط المشروعات المائية بالاحتياجات الفعلية للقطاعات الإنتاجية، بما يضمن الاستخدام الأمثل لكل وحدة مياه، ويحد من الهدر، ويدعم قدرة المملكة على مواجهة التحديات المستقبلية. فالمياه ليست مجرد خدمة أساسية، بل عنصر جوهري في استقرار الاقتصاد واستمرار التنمية وقدرة الدولة على تأمين احتياجات مواطنيها.

إن نجاح الأردن في جذب الاستثمارات الأجنبية لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الأموال الداخلة إلى السوق، بل بمدى إسهام هذه الاستثمارات في بناء قاعدة إنتاجية وطنية مستدامة. فالاستثمار الأكثر أهمية هو الذي ينقل المعرفة والتكنولوجيا، ويطور المهارات المحلية، ويوفر فرص العمل، ويزيد الصادرات، ويربط الشركات الأردنية بسلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.

ولتحقيق ذلك، لا بد من توفير بيئة استثمارية مستقرة وتنافسية، تقوم على وضوح التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الخدمات الحكومية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص. كما ينبغي توجيه الحوافز الاستثمارية نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بدلًا من الاكتفاء باستقطاب استثمارات محدودة الأثر على الإنتاج والتشغيل، بحيث يصبح الاستثمار وسيلة لتعزيز القدرات الوطنية، لا مجرد تدفق مالي مؤقت.

وعلى الرغم من أن موقع الأردن الجغرافي جعله في كثير من الأحيان أكثر تأثرًا بالأزمات الإقليمية، فإنه يمتلك في الوقت ذاته فرصة لتحويل هذا الموقع إلى مصدر للقوة الاقتصادية. فالقرب من أسواق الخليج والعراق ومصر وبلاد الشام، إلى جانب الموقع الاستراتيجي للعقبة، يوفر إمكانات واسعة لتطوير قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والتخزين والتجارة والصناعات التصديرية.

غير أن استثمار هذه المزايا يتطلب بنية تحتية متطورة، وموانئ وخدمات نقل أكثر كفاءة، وإجراءات تجارية مرنة، وبيئة أعمال قادرة على المنافسة. كما يتطلب توسيع الاتفاقيات التجارية وتنويع الأسواق المستهدفة، بما يقلل الاعتماد على عدد محدود من الشركاء والأسواق، ويمنح الصادرات الأردنية قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، حتى في ظل الاضطرابات التي قد تصيب بعض الممرات التجارية أو الأسواق التقليدية.

ومن أهم التحديات التي تواجه المالية العامة في الأردن ضرورة تنويع مصادر الإيرادات، والحد من الاعتماد على جيب المواطن من خلال الضرائب والرسوم، خصوصًا في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع كلف الحياة. ويتطلب ذلك تبني سياسات اقتصادية مبتكرة تستند إلى دراسات واقعية، وعقول وطنية تمتلك الكفاءة والنزاهة، وتضع المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية والاعتبارات الضيقة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية حصر أراضي الدولة وأملاكها، وتقييم إمكاناتها الاستثمارية، والعمل على استغلال الأراضي غير المستثمرة وفق خطط مدروسة تراعي طبيعتها وموقعها واحتياجات التنمية. ويمكن، حيثما تسمح الدراسات الاقتصادية والبيئية والقانونية، طرح هذه الأراضي للاستثمار الزراعي أو الصناعي أو غيره من الاستخدامات المنتجة، من خلال عقود إيجار طويلة الأجل بشروط عادلة وشفافة، تضمن حقوق الدولة والمستثمرين معًا.

ومن الممكن أن تتضمن هذه العقود بدلات إيجار مناسبة، إلى جانب نسبة عادلة من الأرباح أو الإيرادات وفق طبيعة المشروع وجدواه الاقتصادية، مع وضع ضوابط واضحة تمنع الاحتكار أو استغلال الأصول العامة. ومن شأن هذا النهج أن يحول الأصول غير المستغلة إلى مصادر دخل مستدامة للخزينة، ويحفز رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، ويوفر فرص عمل للأردنيين، ويسهم في تنشيط المناطق الأقل حظًا، دون اللجوء بالضرورة إلى فرض أعباء مالية إضافية على المواطنين.

إن نجاح هذا التوجه يتوقف على حسن اختيار المشروعات، وشفافية طرحها، والرقابة على تنفيذها، وضمان تحقيقها عوائد اقتصادية واجتماعية حقيقية. فالأراضي والأصول العامة ليست مجرد ممتلكات جامدة، بل موارد وطنية يمكن أن تسهم في التنمية إذا أُحسن إدارتها واستثمارها، وفق رؤية توازن بين العائد المالي والمصلحة العامة وحقوق الأجيال القادمة.

ومهما بلغت قيمة الموارد الطبيعية، ومهما تطورت البنية التحتية، فإن الإنسان يبقى العنصر الأكثر أهمية في بناء اقتصاد قوي وقادر على المنافسة. فالثروة الحقيقية لا تكمن فقط في المناجم والموانئ ومصادر الطاقة، بل في العقول التي تستطيع تحويل هذه الإمكانات إلى منتجات وخدمات وتقنيات ذات قيمة مضافة.

ولذلك، ينبغي إعادة توجيه التعليم والتدريب المهني والتقني نحو احتياجات سوق العمل والقطاعات الإنتاجية، وتعزيز البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال، وتوسيع فرص اكتساب المهارات الرقمية والتكنولوجية. كما يجب توفير بيئة تمكن الشباب الأردني من تحويل أفكارهم إلى مشروعات منتجة، وتحد من هجرة الكفاءات، وتمنح أصحاب الخبرات فرصًا حقيقية للمشاركة في التنمية الوطنية.

إن الاستثمار في الإنسان ليس إنفاقًا إضافيًا، بل هو استثمار طويل الأجل في الإنتاجية والتنافسية والقدرة على الابتكار، وهو الأساس الذي تقوم عليه الاقتصادات القادرة على الصمود والتقدم في عالم سريع التغير. فكلما امتلك الأردن كوادر مؤهلة وقدرات علمية وتقنية متقدمة، ازدادت قدرته على تطوير موارده، وتوسيع إنتاجه، وخلق فرص عمل مستدامة، وتقليل اعتماده على الخارج في المجالات التي يستطيع بناء قدرات وطنية فيها.

لا يستطيع الأردن التحكم في أسعار النفط العالمية، أو منع الحروب والصراعات، أو تغيير سياسات القوى الاقتصادية الكبرى، لكنه يستطيع اتخاذ قرارات تقلل الكلفة التي يتحملها عندما تقع الأزمات. وتبدأ هذه القدرة ببناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وتعزيز الإنتاج المحلي، ورفع القيمة المضافة للموارد الوطنية، وتنويع الأسواق والشراكات التجارية، وتطوير قطاعات الطاقة والمياه والصناعة والتكنولوجيا.

والمطلوب ليس إقامة اقتصاد مغلق ينكفئ على ذاته، بل بناء اقتصاد منفتح على العالم دون أن يكون هشًا أمام تقلباته، ومتصل بالأسواق الدولية دون أن يصبح أسيرًا لها. فالانفتاح الاقتصادي الحقيقي لا يعني الاعتماد المفرط على الخارج، وإنما القدرة على التفاعل معه من موقع أكثر قوة وتوازنًا، قائم على الإنتاج والمنافسة وتعدد الخيارات.

وفي عالم أصبحت فيه الجغرافيا السياسية عاملًا مباشرًا في تحديد مسارات التجارة والاستثمار وأسعار الطاقة والغذاء، لم يعد بناء القوة الاقتصادية ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من حماية الأمن الوطني وصون القرار السيادي. فكلما امتلك الأردن قاعدة إنتاجية أوسع، وموارد مالية أكثر تنوعًا، وقدرة أكبر على توفير احتياجاته الأساسية، تراجعت هشاشته أمام الضغوط الخارجية، واتسعت قدرته على اتخاذ قراراته وفق مصالحه الوطنية.

إن الأردن لا يستطيع اختيار العالم الذي يعيش فيه، لكنه يستطيع اختيار مدى استعداده لمواجهة تحدياته. ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس كيف نتجنب الأزمة القادمة، بل كيف نبني اقتصادًا لا تتحول فيه كل أزمة خارجية إلى أزمة داخلية، ولا يصبح فيه المواطن الحلقة الأضعف في مواجهة التقلبات العالمية.

والبداية تكون من حسن استثمار ما نملكه بالفعل: موارد طبيعية تتحول إلى صناعات، وشمس تتحول إلى طاقة منتجة، ومياه تُدار بكفاءة، وأراضٍ تُستثمر وفق أسس عادلة ومستدامة، وموقع جغرافي يتحول إلى بوابة للتجارة، وعقول وطنية تجد فرصتها في الإبداع والإنتاج.

عندها فقط يستطيع الأردن الانتقال من اقتصاد يكتفي بالتعامل مع الصدمات بعد وقوعها، إلى اقتصاد يمتلك الأدوات اللازمة لامتصاصها، ويحول ما تتيحه الأزمات من فرص إلى مسارات جديدة للنمو والتنمية. فالقوة الاقتصادية ليست في غياب الأزمات، وإنما في امتلاك القدرة على مواجهتها دون أن تفقد الدولة توازنها، أو يتحمل المواطن وحده ثمنها





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :