ثمة مقاربة فكرية لافتة بين «منطق الطير» لفريد الدين العطّار، و«من حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟» لسبنسر جونسون، رغم الفارق الزمني والفلسفي بينهما. فكلا الكتابين يتناول رحلة الإنسان في مواجهة المجهول، والتحرر من المألوف، والبحث عن غاية تتجاوز حدود ما اعتاد عليه. لكن بينما يدعونا جونسون إلى التكيف مع التغيير والبحث عن جبن جديد عندما يختفي القديم، يأخذنا العطّار إلى سؤال أعمق: ماذا لو لم تكن المشكلة في اختفاء الجبن، بل في أننا لم نتساءل يوماً لماذا نبحث عنه؟
في حكاية جونسون، يصبح الجبن رمزاً لكل ما نطمح إليه من مال ومكانة وأمان ونجاح. وعندما يتغير الواقع، يواجه الإنسان خيارين: التمسك بالماضي وانتظار عودته، أو تقبل التغيير والانطلاق نحو فرص جديدة. أما في «منطق الطير»، فتقود الهدهد الطيور في رحلة شاقة عبر سبعة أودية بحثاً عن السيمرغ، لتكتشف في نهاية الرحلة حقيقة تتجاوز تصورها الأول عن الغاية. فالمطلوب ليس مجرد الوصول إلى وجهة جديدة، بل أن تتغير نظرتنا إلى أنفسنا وإلى ما نسعى إليه.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الكتابين: جونسون يعلمنا كيف نتكيف مع عالم يتغير، بينما يدفعنا العطّار إلى مراجعة فهمنا لأنفسنا وللغاية التي نعيش من أجلها. فليس كل من يغير مساره يتقدم، وليس كل من يحقق أهدافه يجد بالضرورة ما يمنحه المعنى. قد نقضي أعواماً في الانتقال من وظيفة إلى أخرى، ومن منصب إلى أعلى، ومن نجاح إلى نجاح، دون أن نتوقف لنسأل: هل نقترب مما نريده حقاً، أم أننا نتقن فقط الركض داخل المتاهة؟
وتتجاوز هذه المقارنة الفرد إلى المؤسسة. ففي عالم يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيله، تحتاج الجامعات والشركات إلى تطوير مهاراتها، وتحديث نماذج أعمالها، والاستجابة للتحولات قبل أن تفرض عليها الأزمات خياراتها. وهذا هو منطق قطعة الجبن. لكن منطق الطير يدعونا إلى ما هو أبعد: هل يكفي أن تتبنى الجامعة الذكاء الاصطناعي لتبقى منافسة، أم عليها أن تعيد التفكير في معنى التعليم ودورها في بناء الإنسان؟ وهل يكفي أن تستخدم الشركة التقنية لزيادة الإنتاجية، أم ينبغي أن تعيد تعريف القيمة التي تقدمها للمجتمع؟
قد تنجح المؤسسة في التكيف مع المستقبل، لكنها تظل أسيرة الماضي إذا لم تراجع افتراضاتها وغاياتها. وقد يصبح الإنسان أكثر كفاءة في تحقيق أهدافه، دون أن يكون أكثر وعياً بمعنى النجاح نفسه. لذلك، ليست الحكمة في رفض التغيير أو ملاحقة كل جديد، بل في التمييز بين ما ينبغي أن نغيره من وسائل، وما يستحق أن نعيد النظر فيه من غايات.
إن الجمع بين الكتابين يقدم لنا معادلة مهمة: نحتاج إلى شجاعة جونسون كي نتحرك عندما يتغير الواقع، وإلى حكمة العطّار كي نتساءل عن معنى الرحلة واتجاهها. فالتكيف يساعدنا على البقاء، أما إعادة اكتشاف الذات فقد تساعدنا على تحديد ما يستحق أن نبقى من أجله.
وعندما تختفي قطعة الجبن، ربما يكون السؤال الأول: أين نجد غيرها؟ لكن السؤال الأهم، للإنسان والمؤسسة على حد سواء، هو: هل نبحث عن جبن جديد، أم أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف أنفسنا قبل أن نواصل البحث؟