ثمة جوائز تُمنح لأصحاب الإنجازات، وثمة جوائز تتحول، في لحظة سياسية فارقة، إلى رسائل تتجاوز أصحابها. وحين تُمنح جائزة نوبل للسلام لقاضية جنوب أفريقية كرّست سنوات طويلة من حياتها للدفاع عن حقوق الإنسان، وعملت في أروقة القضاء الدولي، وترأست لجنة أممية خلصت إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، فإن السؤال لا يعود متعلقاً باستحقاق الفائزة وحده، بل بما أرادت هذه الجائزة أن تقوله للعالم.
إنها صفعة نوبل للسلام.
ليست صفعة بالمعنى الدبلوماسي المباشر، ولا بيان إدانة يصدر عن عاصمة غاضبة، بل رسالة أكثر عمقاً وأبعد أثراً.. أن هناك عالماً لا يزال يعتقد أن القانون يجب أن يسري على الجميع، وأن الضحايا لا يفقدون حقوقهم لأن الجلاد يمتلك حليفاً قوياً، وأن المؤسسات الدولية، مهما تعرضت للضغط، ليست ملكاً للدول الكبرى ولا أداة في يد المنتصرين.
اختارت لجنة نوبل القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، ذات المسيرة الطويلة في الدفاع عن حقوق الإنسان وملاحقة الجرائم الدولية، في وقت تتعرض فيه العدالة الدولية لاختبار قاسٍ. وقد سبق لبيلاي أن عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، كما شغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل.
ولم يكن تقرير اللجنة الذي خلص إلى ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في غزة تفصيلاً عابراً في مسيرتها، بل أصبح جزءاً من معركة دولية على معنى العدالة وحدود القوة. وقد رفضت إسرائيل هذه الاستنتاجات بشدة، لكن الجدل حولها لم يلغِ حقيقة أن المساءلة الدولية باتت في قلب المواجهة السياسية والأخلاقية.
هنا تكمن دلالة الجائزة.
فالعالم الذي منح نوبل لبيلاي لم يكن يمنح وساماً لقاضية فحسب، بل كان يعيد طرح سؤال طالما حاولت السياسة تأجيله: من يحاسب الأقوياء عندما يرتكبون الجرائم؟ وهل تستطيع دولة أن تحتمي إلى ما لا نهاية بمظلة حليفها، حتى حين تتراكم صور الضحايا وتقارير المنظمات الحقوقية ونداءات المؤسسات الدولية؟
إن أخطر ما في هذه الجائزة أنها تضع واشنطن وتل أبيب أمام مرآة لا تستطيعان كسرها بمجرد الاعتراض على الصورة.
فالولايات المتحدة التي لطالما تحدثت عن النظام الدولي القائم على القواعد تجد نفسها في مواجهة تناقض صعب حين تتعامل مع العدالة الدولية باعتبارها مقبولة عندما تقترب من خصومها، ومرفوضة عندما تقترب من حلفائها. وإسرائيل، التي تقدم نفسها دولة ديمقراطية تحترم القانون، تواجه سؤالاً لا يمكن حسمه بخطاب سياسي أو حملة اتهامات.. هل يكفي إعلان احترام القانون إذا كانت المؤسسات التي يفترض أن تطبقه تتعرض للتشكيك والضغط كلما اقتربت من مساءلة أصحاب النفوذ؟
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن الإعلان عن فوز بيلاي تزامن مع تصعيد أمريكي جديد ضد المحكمة الجنائية الدولية. وهكذا بدا المشهد وكأنه فصلان من قصة واحدة: جهة دولية تمنح التقدير لمن كرّس حياته للعدالة، وجهة سياسية تتخذ إجراءات تستهدف مؤسسة قضائية لأنها تقترب من ملفات لا ترضيها.
ليس ضرورياً أن تكون جائزة نوبل حكماً قضائياً، فهي ليست محكمة، ولا تستطيع أن تحل محل الأدلة والإجراءات القانونية. لكن قيمتها الرمزية تكمن في أنها تقول إن الدفاع عن القانون ليس عملاً عدائياً، وإن مساءلة مرتكبي الجرائم ليست مؤامرة على دولة، وإن الضحايا لا يصبحون أقل استحقاقاً للعدالة لأن قضيتهم تزعج أصحاب المصالح.
وهذه، في جوهرها، رسالة تتجاوز إسرائيل والولايات المتحدة إلى العالم بأسره.
فالقضية ليست صراعاً بين الغرب والعرب، ولا بين اليهود والمسلمين، ولا بين دولة وأخرى.. إنها اختبار للمبدأ الذي قامت عليه فكرة القانون الدولي بعد الحروب الكبرى.. ألا تكون القوة بديلاً عن الحق، وألا يتحول امتلاك السلاح أو النفوذ السياسي إلى حصانة مفتوحة من المساءلة.
ومن هنا يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر الماضي، بوصفه محطة أخرى في المواجهة مع سياسة الإفلات من العقاب، فلم يكتفِ الملك بوصف المعاناة الفلسطينية، بل وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة، محذراً من أن التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية باعتبارها أموراً مؤقتة انتهى إلى تحويل المؤقت إلى واقع دائم وسياسة مستمرة.
حمل خطاب الملك (الوثيقة) رسالة واضحة إلى الدول التي تملك أدوات التأثير: ليست المشكلة أن العالم يفتقر إلى الوسائل، بل أنه لا يستخدمها بالقدر نفسه مع الجميع. فالعقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزلة الدبلوماسية أدوات يعرفها المجتمع الدولي جيداً، وقد لجأ إليها في أزمات متعددة ، أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فكثيراً ما تنتهي القرارات عند حدود الورق، فيما تستمر الوقائع على الأرض في فرض نفسها.
ولم يكن حديث الملك عن الضفة الغربية والاستيطان وعنف المستوطنين مجرد توصيف لأحداث متفرقة، بل تحذيراً من تطبيع الانتهاك عبر اللغة، فحين يُعاد تقديم مصادرة الأرض باعتبارها إجراءً إدارياً، والتهجير باعتباره ضرورة أمنية، والاعتداءات باعتبارها حوادث محدودة، تصبح اللغة نفسها شريكاً في صناعة الإفلات من العقاب.
وهنا يلتقي خطاب عمّان مع الدلالة السياسية لجائزة نوبل: لا يجوز أن يصبح الاعتياد على المأساة بديلاً عن مواجهتها، ولا أن يتحول تكرار الانتهاك إلى حجة لقبوله.
لقد أعاد الملك طرح السؤال عن جدوى المؤسسات الدولية إذا ظلت عاجزة عن تحويل قراراتها إلى أفعال، وجاء تكريم بيلاي ليعيد السؤال نفسه من زاوية أخرى.. "ما قيمة القانون إذا كان تطبيقه يتوقف على هوية المتهم"..؟
ليست الرسالتان متطابقتين في طبيعتهما أو مصدرهما، لكنهما تلتقيان عند نقطة مركزية.. العالم لا يستطيع أن يواصل الحديث عن نظام دولي عادل فيما تتسع المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في أثر الجوائز والخطب. فالتصفيق في القاعات الدولية لا يوقف حرباً، والاعتراف الرمزي لا يعيد بيتاً هُدم، ولا يضمن عودة نازح، ولا يعيد حياة طفل فقد أسرته. كما أن جائزة نوبل، مهما بلغت قيمتها، لا تملك وحدها تغيير سياسات الدول أو فرض أحكام المحاكم.
ليست كل الجوائز بريئة من السياسة، وليس كل تكريم مجرد احتفاء بصاحبه.. أحياناً تختار لجنة جائزة أن تقول ما تعجز عواصم عن قوله، أو أن تضع إصبعها على جرح يفضّل كثيرون إبقاءه تحت الضمادات حتى حين استبعدت سيد البيت الأبيض من الظفر بالجائزة الرمز.
الرموز، في السياسة، ليست بلا قيمة.. إنها تكشف التحولات في المزاج الدولي، وتمنح أصواتاً مهمشة مساحة أوسع، وتضع الحكومات أمام أسئلة يصعب إغلاقها.. وربما كانت أهمية هذه الجائزة أنها تذكّر العالم بأن معركة العدالة لم تُحسم، وأن هناك من لا يزال مستعداً للدفاع عن القانون حتى حين تصبح كلفة الدفاع عنه سياسية وشخصية.
لقد اعتادت إسرائيل أن تجد في الدعم الأمريكي ضمانة سياسية في مواجهة قرارات دولية وانتقادات متزايدة. واعتادت واشنطن أن تبرر مواقفها بلغة المصالح والأمن والتحالفات. لكن الجائزة تقول إن هناك رصيداً آخر يتشكل خارج حسابات القوة.. رصيد الشرعية الأخلاقية، والثقة بالمؤسسات، والقدرة على إقناع العالم بأن المبادئ ليست مجرد عبارات تُسْستَدعى عند الحاجة.
هذا الرصيد لا يُقاس بقرار واحد أو جائزة واحدة، بل بما يتراكم في ذاكرة الشعوب، وفي مواقف المؤسسات، وفي سجلات المحاكم، وفي المسافة التي تفصل بين ما تقوله الحكومات وما تفعله.
قد لا تغيّر نوبل موازين القوة غداً، لكنها تذكّر أصحاب القوة بأنهم لا يحتكرون تعريف العدالة، وأن التاريخ لا يكتب روايته النهائية بالاستناد إلى بيانات الحكومات وحدها.
صفعة نوبل ليست نهاية المعركة، بل إعلان أن المعركة على معنى القانون لا تزال مفتوحة.
أما الصفعة الحقيقية، فستكون حين يتحول هذا الاعتراف الرمزي إلى إرادة سياسية، وحين تتوقف ازدواجية المعايير، وحين لا يعود تطبيق القانون الدولي رهناً باسم الدولة أو وزنها أو هوية حليفها.
عندها فقط يمكن القول إن العالم لم يكتفِ بتكريم العدالة، بل قرر أن يمنحها فرصة للحياة.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل جائزة نوبل تذكيراً مزعجاً لكل من يعتقد أن القوة تستطيع أن تحل محل الحق إلى الأبد.. فقد ينجح الأقوياء في تأجيل المساءلة، لكنهم لا يملكون وحدهم حق كتابة التاريخ.