عندما يستيقظ ضمير المسؤول متأخرا
سامي شريم
10-10-2026 10:28 AM
أي صحوة ضمير هذه التي لا تستيقظ إلا بعد مغادرة مواقع المسؤولية وأي شجاعة تلك التي لا تظهر إلا بعد زوال السلطة وأي بطولة في كشف فساد كنت شاهدا عليه يوم كنت تملك سلطة القرار والتوقيع والاعتراض والمنع والاستقالة
إن المسؤول الذي يخرج علينا اليوم كاشفا تفاصيل قضية فساد وقعت في عهده لا يستطيع أن يقدم نفسه بطلا وطنيا أو حارسا للمال العام قبل أن يجيب عن سؤال لا يحتمل المراوغة أين كنت عندما كانت القرارات تتخذ ؟ وعندما كانت مقدرات الوطن تهدر؟ وعندما كانت الصفقات تمرر تحت سمعك وبصرك؟
لماذا لم تعترض؟ ولم ترفض؟ ولم تكشف الحقيقة في حينها؟ ولماذا لم تضرب الطاولة بقبضتك وتعلن استقالتك وتضع الشعب أمام حقيقة ما يجري؟
هل كانت المحافظة على الكرسي أهم من المحافظة على المال العام؟ وهل كانت امتيازات المنصب أثمن من الأمانة التي أقسمت على صونها؟.
إن المسؤولية الوزارية ليست شركة لتوزيع المناصب والمكاسب ثم يتحول أعضاؤها عند انكشاف الفضائح إلى شهود أبرياء لا يسأل أحدهم ما فعل شريكه المتكامل المتضامن في الغرم والغنم.
الحكومة تتحمل المسؤولية السياسية الجماعية عن قراراتها ولا يجوز أن تكون شريكا في السلطة عند اتخاذ القرار ثم تتبرأ من نتائجها عندما تنكشف الحقائق
أما المسؤولية القانونية فلا تسقط بمجرد الادعاء بالاعتراض أو الجهل بل يجب التحقيق في الأفعال والمواقف ومدى العلم والمشاركة والتستر والإخلال بالواجب
وهنا يبرز السؤال الأخطر أليس السكوت عن الفساد مع العلم به والقدرة على مواجهته إخلالا بالأمانة والمسؤولية يستوجب التحقيق والمساءلة؟.
إننا أمام ظاهرة تستحق التوقف عندها مسؤولون يصمتون وهم في السلطة ويتحدثون بعد مغادرتها ويكتشفون فجأة أن ضمائرهم كانت نائمة طوال سنوات الحكم فهل كانت الضمائر نائمة حقا أم كانت المصالح مستيقظة فقط؟
وهل كان الصمت خوفا على المنصب؟ أم اطمئنانا إلى غياب المساءلة وإلى ثقافة الإفلات من العقاب؟
إن الشجاعة الحقيقية ليست في فضح الفساد بعد وقوعه بسنوات بل في الوقوف بوجهه ساعة حدوثه حين يكون الاعتراض مكلفا والاستقالة تضحية والموقف امتحانا للرجولة والنزاهة.
نحن لا نريد اعترافات متأخرة تتحول إلى بطولات إعلامية ولا نريد روايات منتقاة لتصفية الحسابات أو تلميع الصور
نريد فتح الملفات كاملة ومساءلة من قرر ومن وافق ومن وقع ومن مرر ومن علم ومن وسكت فالمناصب ليست حصانة مؤقتة والذاكرة الوطنية ليست قصيرة والمال العام ليس غنيمة تتقاسمها الحكومات ثم يهرب كل مسؤول من تبعاتها
ومن يريد أن يرتدي ثوب النزاهة اليوم عليه أولا أن يكشف دوره بالأمس
فالضمير الذي لا يستيقظ إلا بعد ضياع المنصب ليس بالضرورة ضميرا حيا وقد يكون مجرد محاولة متأخرة للهروب من المسؤولية.
وصح النوم لكل مسؤول اكتشف الفساد وسكت بعد أن كان قادرا على منعه في حينه وجاء ليتحفنا ببطولات كرتونية وكأنه لاعلاقة له بما حدث.