facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




واشنطن والعدالة حين يصبح القانون مطبًا هوائيًا


كابتن أسامة شقمان
10-10-2026 05:25 PM

بعد أكثر من أربعين عامًا في الطيران كنت أظن أنني رأيت معظم الأسباب التي تدفع طائرة إلى تغيير مسارها من العواصف إلى الأعطال ومن ضعف الرؤية إلى إغلاق المطارات. لكنني اكتشفت سببًا يصلح وحده لفصل جديد في دليل الملاحة السياسية وهو أن تتجه العدالة نحو مسؤول إسرائيلي فتعلن واشنطن أن المجال الجوي للقانون مغلق حتى إشعار آخر.

في التاسع من تشرين الأول ٢٠٢٦ فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية نفسها في لاهاي بعد عقوبات سابقة على مسؤولين فيها وجاء التصعيد ضمن اعتراض واشنطن على ملاحقة أمريكيين ومسؤولين إسرائيليين وبينهم بنيامين نتنياهو الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف. وهذه المذكرة ليست حكم إدانة لكن يبدو أن مجرد طلب المساءلة بات إزعاجًا يستحق العقوبة.

المحكمة وفق هذا المنطق تشبه طائرة انطلقت بعد تصريح بالإقلاع ثم ارتكبت خطأ جسيمًا عندما التزمت بخطة الرحلة. كان يفترض أن تعرف أن بعض الإحداثيات موجودة على الخريطة للزينة وأن التحليق فوقها ممنوع مهما كان الوقود كافيًا والأدلة واضحة. أما برج المراقبة فيحتفظ بحق تعديل معنى العدالة أثناء الرحلة دون الحاجة إلى إبلاغ الضحايا.

وأتخيل قاضيًا يسأل واشنطن عن الطريق المسموح فيجيبه البرج بأن عليه مواصلة السير نحو القانون مع تجنب الحلفاء. يسأل عن معيار الفصل بين الطريقين فيقال له إن المعيار سري حفاظًا على الشفافية. وعندما يطلب نسخة مكتوبة يُنصح بتعلم المرونة لأن القواعد في هذا المجال مرنة إلى الحد الذي تستطيع فيه الالتفاف حول صاحب النفوذ والعودة إلى مكانها أمام الضعيف.

لقد تعلمت أن أجهزة التحذير تستحق الفحص عندما تطلق إنذارًا لكن السخرية هنا أن السياسة تريد محاسبة الجهاز على سوء اختياره للحظة التنبيه. فإذا ظهرت إشارة مقلقة في ملف مسؤول محمي سياسيًا أصبح المطلوب إصلاح الشاشة حتى تختفي الإشارة. ويمكن بعدها إعلان نجاح العملية والتأكيد أن جميع المؤشرات أصبحت مطمئنة وأن المشكلة كانت في حساسية العدادات.

وهنا يكمن التناقض الذي يستحق النقد في موقف واشنطن. خطاب يطالب باحترام القانون الدولي ثم سياسة تعاقب مؤسسة قضائية حين تمس إجراءاتها مسؤولين إسرائيليين. يبدو أن القانون مرحب به ما دام يصل إلى العنوان المناسب فإذا طرق بابًا غير مرغوب فيه صار خطرًا على السيادة. وللضحايا أن يبحثوا عن خطأ في العنوان لأن صاحب المنزل يتمتع بعلاقات ممتازة مع مكتب البريد.

ولا أدعي أن كل إجراء أمريكي يخضع لقاعدة واحدة لكن في هذه القضية يظهر التناقض بصورة يصعب إخفاؤها. تستطيع واشنطن أن تجادل المحكمة في اختصاصها وأن تنتقد قراراتها وتعرض حججها. أما ضرب قدرتها على العمل فيجعل الاحتجاج يشبه اعتراض راكب على وجهة الطائرة ثم مطالبته بقطع الوقود عنها لإثبات أن قائدها لا يفهم أصول السلامة.

ولعل التعليمات المقبلة ستضيف إلى فحص ما قبل الإقلاع بندًا جديدًا للقضاة التأكد من هوية المشتبه به قبل تشغيل الضمير. فإن كان من دولة قليلة النفوذ يمكن استكمال الإجراءات أما إذا كان مسؤولًا إسرائيليًا فالأفضل تأجيل الرحلة إلى أن توافق السياسة على صلاحية القانون. وفي الانتظار يمكن للعدالة أن توزع على الضحايا كوب ماء واعتذارًا عن التأخير الخارج عن إرادتها.

أما الحديث عن استقلال القضاء فيحتاج إلى شرح أدق في كتيب الركاب. الاستقلال هنا متاح داخل المساحة التي يحددها الطرف الذي لا يريد المساءلة. يمكن للقاضي أن يختار كلماته بحرية وأن يكتب ما يشاء بشرط ألا تتحول الكتابة إلى إجراءات تزعج أصحاب الحماية. إنها حرية واسعة تشبه السماح للطائرة بالإقلاع مع الاحتفاظ بجناحيها في المخزن.

والمؤلم أن وراء هذه المفارقات أناسًا يريدون معرفة من يتحمل مسؤولية ما أصابهم. حياتهم ليست تمرينًا بلاغيًا في بيانات الدول ولا حقائب يمكن تركها في صالة الوصول حتى ينتهي الخلاف السياسي. وحين يتقدم الحساب الاستراتيجي على سؤال المسؤولية يصبح الضحية مطالبًا بإثبات أن ألمه لا يضر بمصالح أحد قبل أن يحصل على فرصة لعرض قضيته.

وقد يقال إن المحكمة تخطئ وهذا احتمال يستحق النقاش فالقضاة بشر وقراراتهم تحتاج إلى فحص. لكننا في الطيران نحقق في الخطأ بأدوات ومعلومات وإجراءات واضحة. لا نعاقب من يسأل عن الخلل لمجرد أن السؤال يحرج شركة نافذة ولا نمنح طائرة حصانة من التفتيش لأن مالكها صديق برج المراقبة.

أرى أن واشنطن أوقعت خطابها في امتحان لم تكن مضطرة إليه. كان بوسعها تقديم اعتراض قانوني يستند إلى الحجة لكن العقوبات جعلت الحديث عن المساواة أمام القانون يبدو مشروطًا بقائمة أسماء. وحين تتبدل المعايير عند الوصول إلى إسرائيل يشعر القارئ أن الكلمات نفسها تتحرك فوق أرض مختلفة وأن العدالة مطالبة بإظهار جوازها الدبلوماسي قبل الدخول.

أما الموعظة التي أحملها من السماء فهي أن إطفاء التحذير لا يزيل سبب ظهوره وأن النفوذ مهما بلغ لا يصنع سلامة حقيقية. وإذا أرادت واشنطن أن تكون جادة في الدفاع عن القانون فعليها أن تحتمل السؤال حين يقترب من حلفائها. فالعدالة التي يُسمح لها بمحاسبة البعيد ويُقطع عنها الطريق إلى القريب ستظل تدور فوق العالم باحثة عن مطار يقبل هبوطها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :