facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"ماذا سأقدّم للآخرين؟" .. حين يصبح العلم رسالة، والنجاح خدمة، والحياة أثرًا


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
10-10-2026 10:43 PM

عيونٌ تشخص نحو المستقبل، وعقولٌ تتأمل وتفكر، وقلوبٌ تُصغي وتؤمن … وبين فرحة الإنجاز وعمق التأمل، تتجلى لحظات إنسانية استثنائية تعيد إلى الوجدان أسئلة الوجود الكبرى: لماذا نتعلم؟ ولمن ننجح؟ وما القيمة الحقيقية لما نحققه في هذه الحياة؟ وهل يكفي أن نبلغ أحلامنا، أم أن عظمة الإنسان تبدأ حين تصبح أحلامه نافذة يعبر منها الخير إلى الآخرين؟

هذه الأسئلة حضرت بمعانيها العميقة في كلمة سيادة المطران إياد الطوال خلال حفل تخريج الجامعة الأمريكية في مادبا، الذي أُقيم تحت إشراف نيافة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين. فقد نقل سيادته تحيات نيافة الكاردينال باسم البطريركية اللاتينية، في كلمة تجاوزت حدود المناسبة الأكاديمية، وارتقت إلى فضاء الفكر والفلسفة والإيمان، لتضع الإنسان في قلب الرسالة التعليمية، وتعيد تعريف النجاح باعتباره مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن يكون إنجازًا شخصيًا.

لم تكن الكلمات مجرد تهنئة لخريجين أنهوا سنوات دراستهم، بل دعوة عميقة للتأمل في معنى الحياة، وفي الغاية التي ينبغي أن تقود خطوات الإنسان بعد أن يغادر مقاعد الدراسة إلى ميادين العمل ومساحات المسؤولية. فالجامعة، كما أكد المطران الطوال، لا تمنح طلبتها المعرفة وحدها، بل تزودهم بالأدوات التي تعينهم على مواجهة الحياة، تلك الحياة التي تضعنا أمام امتحانات لا تعلن مواعيدها مسبقًا، ولا تقدم لنا دائمًا إجابات جاهزة، وإنما تختبر قيمنا، وثبات مبادئنا، وقدرتنا على اتخاذ المواقف التي تنسجم مع ضمائرنا وإنسانيتنا.

ولعل أكثر ما يستوقف المتأمل في هذه الرسالة أنها تنطلق من حقيقة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في جوهرها، أن الحياة تصبح أغنى وأجمل وأعمق عندما تُعاش من أجل غاية أكبر من الذات، وأن النجاح لا يكتمل إلا حين يتحول إلى خدمة.

فكم من إنسان بلغ أعلى المراتب، وجمع من الألقاب والإنجازات ما يثير الإعجاب، لكنه لم يترك في حياة الآخرين أثرًا يوازي ما حققه لنفسه! وكم من إنسان عاش ببساطة، لكنه منح من حوله علمًا أو أملًا أو فرصة أو كلمة طيبة، فبقي حضوره في القلوب أكبر من كل منصب، وأطول عمرًا من كل لقب!

إن قيمة الإنسان لا تختصرها شهادته، ولا تحددها وظيفته، ولا تقاس بما يملكه من مال أو نفوذ، وإنما تتجلى في مقدار الخير الذي يضيفه إلى الحياة، وفي الأثر الذي يتركه في نفوس الآخرين، وفي قدرته على أن يجعل من معرفته وسيلة للبناء، ومن نجاحه بابًا للعطاء، ومن وجوده بركة تتجاوز حدود ذاته.

ومن هنا جاءت العبارة الأعمق في كلمة المطران إياد الطوال، حين خاطب الخريجين قائلًا» أتمنى ألّا يكون السؤال الأهم: ماذا سأحقق لنفسي؟ بل ماذا سأقدّم للآخرين؟« .. يا لها من كلمات قليلة، لكنها تحمل فلسفة حياة كاملة!

إنها لا تدعو الإنسان إلى التخلي عن طموحه، ولا تقلل من قيمة النجاح الفردي، بل ترتقي به إلى مستوى أسمى، حيث لا يعود السؤال محصورًا فيما نريد أن نأخذه من الحياة، بل يمتد إلى ما نستطيع أن نمنحه لها. وحيث لا يصبح النجاح غاية تنتهي عند حدود الذات، بل بداية لمسؤولية جديدة تجاه الإنسان والوطن والمجتمع.

وهنا تتولد الأسئلة الأكثر صدقًا وعمقًا، ماذا سأقدم للآخرين؟ كيف أجعل من وجودي بركة؟ كيف أحول علمي إلى منفعة، وخبرتي إلى فرصة، ونجاحي إلى أمل؟ وكيف أترك في وطني ومجتمعي أثرًا طيبًا لا تمحوه الأيام، حتى وإن غاب اسمي وتبدلت مواقعي؟ إنها أسئلة ينبغي ألا تُطرح في حفلات التخرج وحدها، بل أن ترافقنا في كل مرحلة من مراحل حياتنا، وفي كل موقع نتولى فيه مسؤولية، وفي كل قرار نتخذه، وفي كل فرصة نمتلك فيها القدرة على مساعدة إنسان أو تغيير واقع أو صناعة مستقبل أفضل.

وإذا كان التعليم الجامعي يمنح الإنسان مفاتيح المعرفة، فإن التربية الحقيقية تمنحه البوصلة التي تحدد اتجاه استخدامها. فالمعرفة دون قيم قد تصنع عقلًا بارعًا، لكنها لا تضمن إنسانًا حكيمًا، والتفوق دون ضمير قد يفتح أبواب النجاح، لكنه لا يكفل أن يكون هذا النجاح خيرًا للناس. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه الجامعة لطلبتها ليس المعلومات التي قد تتغير بتغير الزمن، ولا المهارات التي قد تتبدل بتطور التكنولوجيا، وإنما القدرة على التفكير الواعي، والتمييز الأخلاقي، واحترام كرامة الإنسان، والإيمان بأن العلم لا تكتمل رسالته إلا عندما يقترن بالمسؤولية.

وهذه هي القيمة الحضارية التي تستوقفنا في الرسالة التربوية للجامعة الأمريكية في مادبا، المستندة إلى إرث تعليمي وإنساني عريق، وإلى رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ما يمكن الاستثمار فيه، وأن الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، وإنما فضاء لبناء العقول وتهذيب الوجدان وترسيخ ثقافة الاحترام والحوار والتعايش.

وفي عالم تتسارع فيه الاكتشافات العلمية، وتتقدم فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتزداد فيه قدرة الإنسان على التحكم بالأدوات والأنظمة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى أن نسأل أنفسنا، هل يتقدم وعينا الأخلاقي بالسرعة ذاتها التي تتقدم بها تقنياتنا؟ وهل نستخدم ما نملكه من معرفة لصناعة حياة أكثر عدلًا ورحمة وكرامة؟

فليست عظمة العلم في قدرته على تغيير العالم فحسب، بل في الحكمة التي توجه هذا التغيير نحو خير الإنسان. وليست قيمة الجامعة في إعداد خريج قادر على المنافسة في سوق العمل وحده، بل في إعداد إنسان يعرف أن نجاحه المهني ينبغي ألا ينفصل عن مسؤوليته الأخلاقية والمجتمعية.

إن الأوطان لا تبنى بالشهادات المعلقة على الجدران، وإنما بالعقول التي تفكر، والأيدي التي تعمل، والضمائر التي لا تساوم على الحق، والقلوب التي تتسع للآخرين. ولا تنهض المجتمعات بكثرة الناجحين لأنفسهم فقط، بل بأولئك الذين يجعلون من نجاحهم رافعة لغيرهم، ومن علمهم جسرًا يعبر عليه الآخرون نحو مستقبل أفضل.

وما أجمل أن يتخرج الطالب وهو يحمل شهادته بيد، ويحمل في قلبه عهدًا بأن يكون نافعًا حيثما حل، عادلًا حيثما حكم، أمينًا حيثما اؤتمن، رحيمًا حيثما استطاع، ومخلصًا لوطنه ومجتمعه في كل ما يقدم من عمل وعطاء.

إننا، في نهاية المطاف، لا نملك أن نختار جميع الظروف التي تواجهنا، لكننا نملك أن نختار المعنى الذي نمنحه لأفعالنا، والقيم التي تحكم قراراتنا، والأثر الذي نسعى إلى تركه خلفنا. فقد تتغير المناصب، وتتبدل الألقاب، وتبهت الأضواء، وتطوي الأيام كثيرًا من الإنجازات، لكن المعروف لا يضيع، والعلم النافع لا يموت، والأثر الطيب يظل حيًا في ذاكرة الإنسان ووجدان المجتمع.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من تلك اللحظات التي جمعت بين فرحة التخرج وعمق الفكر والإيمان، أن ندرك أن النجاح الحقيقي ليس محطة نصل إليها، بل رسالة نحملها؛ وأن الحياة لا تصبح أكثر قيمة بما نضيفه إلى أرصدتنا الشخصية وحدها، وإنما بما نضيفه إلى أرصدة الإنسانية من خير ومحبة ومعرفة وأمل. فما أجمل أن ننجح، وما أعظم أن نكون سببًا في نجاح غيرنا. وما أجمل أن نرتقي، وما أعظم أن نمد أيدينا لنرتقي بالآخرين معنا. وما أجمل أن نترك اسمًا يُذكر، وما أعظم أن نترك أثرًا يُشكر.

لقد أعادت كلمات المطران إياد الطوال، بما حملته من عمق فلسفي وإيماني وإنساني، التذكير بحقيقة تستحق أن تبقى حاضرة في وجدان كل خريج وأكاديمي وقائد ومسؤول، أن الإنسان لا يُقاس فقط بما حققه في حياته، بل بما جعل حياة الآخرين أفضل بسببه. فطوبى لمن جعل من علمه نورًا، ومن نجاحه خدمة، ومن موقعه مسؤولية، ومن حضوره بركة، ومن حياته رسالة.

وطوبى لمن أدرك أن السؤال الأجمل في نهاية الرحلة ليس، إلى أين وصلت؟ بل، من أعنت في الطريق؟ وماذا قدمت لوطني ومجتمعي؟ وأي أثر طيب تركت في القلوب؟

ففي النهاية، لا تكمن عظمة الحياة في أن نعيش لأنفسنا وحدنا، بل في أن نمنح وجودنا معنى يتجاوزنا، وأن نترك وراءنا من الخير ما يجعل العالم، ولو قليلًا، أجمل مما كان قبل أن نمر به. ذلك هو النجاح الذي يستحق أن نسعى إليه… وتلك هي الحياة التي تستحق أن تُعاش.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :