الصهيونية في مرآة النقد اليهودي: من أصوات التاريخ إلى تداعيات حرب غزة
د. عبدالحفيظ العجلوني
11-10-2026 01:09 PM
بنيامين موزر ومفكرون يهود يعيدون طرح أسئلة العدالة وفلسطين وحق الشعوب في تقرير مصيرها
لم يكن نقد الصهيونية حكرًا على العرب والفلسطينيين، بل عرف الفكر اليهودي، منذ أواخر القرن التاسع عشر، أصواتًا اعترضت على تحويل الهوية اليهودية إلى مشروع قومي حصري في فلسطين، محذّرة من تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني ومخاطر الصراع الدائم.
وقد أعادت أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة هذه التساؤلات إلى الواجهة، في ظل الخسائر البشرية الهائلة والدمار الواسع والانتقادات الدولية المتزايدة للسياسات الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، يبرز كتاب الكاتب الأمريكي بنيامين موزر، «معاداة الصهيونية: تاريخ يهودي» (Anti-Zionism: A Jewish History)، الذي يتناول تقليدًا يهوديًا في نقد الصهيونية، ويعيد تسليط الضوء على جذور هذا الاعتراض داخل المجتمع اليهودي نفسه، وليس فقط لدى خصوم إسرائيل الخارجيين.
مفكرون يهود وتساؤلات تاريخية حول الصهيونية
من أبرز الشخصيات التي أثارت تساؤلات نقدية حول بعض اتجاهات الصهيونية ومستقبل العلاقة بين اليهود والعرب في فلسطين:
* هانا آرنت (1906–1975): فيلسوفة ومفكرة سياسية يهودية ألمانية أمريكية، انتقدت القومية الحصرية، وحذّرت من تجاهل الحقوق السياسية للعرب الفلسطينيين، معتبرة أن مستقبل اليهود في فلسطين لا يمكن فصله عن طبيعة علاقتهم بالشعب العربي المقيم فيها.
* مارتن بوبر (1878–1965): فيلسوف يهودي نمساوي إسرائيلي، دعا إلى الحوار والاعتراف المتبادل بين اليهود والعرب، ودعم تصورًا للتعايش لا يقوم على إخضاع شعب للآخر.
* يهودا ماغنيس (1877–1948): حاخام ومفكر يهودي أمريكي، وأول رئيس للجامعة العبرية في القدس، دافع عن فكرة ثنائية القومية في فلسطين، ورأى أن مستقبلها ينبغي أن يقوم على ضمان حقوق اليهود والعرب، بدلًا من احتكار أحدهما السيادة السياسية.
* إدوين مونتاغو (1879–1924): سياسي بريطاني يهودي، عارض عام 1917 التصريح البريطاني المؤيد لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، محذرًا من أن ربط الهوية اليهودية بمشروع قومي منفصل قد يؤثر في وضع اليهود ومواطنتهم في البلدان التي يعيشون فيها.
اختلفت مواقف هؤلاء المفكرين وسياقاتهم التاريخية، ولم يتبنوا تصورًا واحدًا للصهيونية أو لمستقبل فلسطين. لكن مواقفهم تبرز أن العلاقة بين القومية والهوية والحقوق السياسية كانت موضع نقاش داخل الفكر اليهودي نفسه، وأن الأسئلة التي أثاروها لا تزال حاضرة في النقاش المعاصر.
حرب غزة وتراجع صورة إسرائيل دوليًا
لم تقتصر تداعيات الحرب على المأساة الإنسانية الكارثية في غزة، بل امتدت إلى صورة إسرائيل على الساحة الدولية، خصوصًا في ظل اتساع الانتقادات بين قطاعات من الرأي العام العالمي.
وأظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث، نُشر عام 2025 وشمل 24 دولة، أن النظرة إلى إسرائيل كانت سلبية لدى غالبية المستطلعين في 20 دولة من الدول المشاركة.
وتشير هذه النتائج إلى اتساع الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية، مع ضرورة التمييز بين انتقاد حكومة بعينها، ومعارضة الاحتلال، ورفض الصهيونية بوصفها مشروعًا سياسيًا.
وقد أعادت الحرب طرح سؤال جوهري: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها ضمان الأمن والشرعية الدولية، في ظل استمرار الاحتلال وغياب حل عادل يضمن للفلسطينيين حقوقهم الوطنية؟
الزعم بأن أمن الإسرائيليين حق مشروع، لكنه لا يبرر حرمان الفلسطينيين من حقوقهم، كما أن إدانة هجمات السابع من أكتوبر لا تبرر استهداف المدنيين الفلسطينيين أو تدمير مقومات حياتهم. فالقانون الدولي الإنساني يفرض التزامات واضحة على جميع أطراف النزاع دون استثناء.
بنيامين موزر والجدل حول معاداة الصهيونية
أثار كتاب موزر نقاشًا بين مؤيديه ومنتقديه. فبينما يرى المدافعون عنه أنه يعيد إحياء أصوات يهودية ناقدة للصهيونية لم تحظَ دائمًا بالاهتمام الكافي، يتهمه منتقدون بالانتقائية في عرض الوقائع، وبالتقليل من أثر الاضطهاد التاريخي ومعاداة السامية في نشوء الحركة الصهيونية.
ويعكس هذا الجدل اختلافًا عميقًا داخل المجتمع اليهودي بشأن الصهيونية ومستقبل إسرائيل. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان في النقاش السياسي:
معاداة السامية: العداء لليهود أو التمييز ضدهم بسبب هويتهم اليهودية.
معاداة الصهيونية: الاعتراض الفكري أو السياسي أو الأخلاقي على الصهيونية بوصفها مشروعًا قوميًّا أو أيديولوجية سياسية.
وقد يتداخل المفهومان عندما تتحول المعارضة السياسية إلى تحريض على اليهود أو تحميلهم مسؤولية جماعية عن سياسات إسرائيل، لكنهما ليسا مترادفين. وفي المقابل، لا ينبغي استخدام تهمة معاداة السامية لإسكات النقد المشروع للاحتلال أو للانتهاكات الإسرائيلية.
غزة والعدالة التي لا تتجزأ
كشفت حرب غزة أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يكفي لصناعة أمن مستدام، وأن تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية لا ينهي الصراع، بل يفاقم أسبابه ويضاعف كلفته الإنسانية والسياسية.
وتكمن أهمية النقد اليهودي التاريخي للصهيونية في إظهار أن الجدل حول القومية والدولة والحقوق كان حاضرًا داخل الفكر اليهودي نفسه، وأن التساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين اليهود والعرب في فلسطين ليست طارئة، بل تمتد جذورها إلى مراحل مبكرة من تاريخ الحركة الصهيونية.