خمسة دنانير صنعت أول فيلم أردني .. فلماذا لا تزال سينمانا تجربة؟
أحمد الجبور
12-10-2026 12:25 PM
بدأ إنتاج الفيلم الروائي الطويل في الأردن بخمسة دنانير دفعها كل واحد من مجموعة هواة، ما كان ذلك بقرار دولة ولا بمؤسسة. وبعد نحو سبعة عقود، ما زالت التجربة السينمائية الأردنية في معظمها مبادرات فردية لا صناعة.
فكرة هذه المقالة جاءت لأن الأردن عرف السينما قاعاتٍ قبل أن يعرفها إنتاجًا، وما زال يحاول العبور من الأولى إلى الثانية.
هواة صنعوا البداية
«صراع في جرش» هو أول فيلم روائي طويل ينتجه أردنيون، موّلته شركة أسسها صانعوه، ودفع كل منهم خمسة دنانير كما يروي المخرج واصف الشيخ ياسين. شارك في العمل مشغّلو أجهزة عرض وحِرفيون وفنيو لحام وإصلاح أجهزة، وصنعوا محليًا معدات التحميض والطباعة والمونتاج وتزامن الصوت.
تذكر موسوعة عريق أسماء مثل واصف الشيخ ياسين مخرجًا وممثلًا، وأحمد القرى، وعلي أبو سمرة، وفائق القبطي، وصبحي النجار، وغازي هواش، وآمال عزت. وتنسب السيناريو إلى الصحفي فخري أباظة، بينما القصة الأصلية «غرام سائحة» تعود لسمير مطاوع، مع تضارب في النسبة. أما دراسة المجلة الأردنية للفنون (جامعة اليرموك، 2015) فتذكر واصف الشيخ مخرجًا، وإبراهيم سرحان مصورًا، وزكي السكاكيني كاتبًا، مع اختلاف في بعض الأسماء.
صُوّر الفيلم على شريط 16 ملم أبيض وأسود، في فندق فيلادلفيا، وحكى قصة رجل أمن يلاحق عصابة تتاجر بالآثار. ويقول إبراهيم سرحان إنه أنجزه وعُرض في دور السينما بعد ممانعات.
دور عرض بلا صناعة أفلام.
انتشرت دور السينما في عمّان والمحافظات منذ أواخر العشرينيات، أي قبل فيلم «صراع في جرش» بثلاثة عقود، لكن الأردنيين ظلوا يشاهدون أفلامًا من إنتاج غيرهم. في المقابل، استثمرت مصر في السينما عبر مؤسسات وطنية مثل شركة مصر للتمثيل والسينما عام 1925، بينما عندنا كان الاستثمار فرديًا بخمسة دنانير.
أما أول جهة رسمية للسينما في الأردن فكانت «دائرة السينما والتصوير» عام 1965، بعد الفيلم بنحو سبعة أعوام.
أول دار سينما في الأردن.
للمفارقة لا أحد يجزم بسنة افتتاح أول دار عرض في عمّان. صحيفة العرب تشير إلى سينما النصر في نهاية العشرينيات، وصالة «البترا» في إربد منتصف العشرينيات، ثم «سينما البتراء» عام 1935 بمواصفات مكتملة في عمان. حتى سنة إنتاج «صراع في جرش» اختلفت المصادر بين 1957 و1958، كما اختلفت في هوية المخرج.
السينما هي من تقدّم البلد لا المسرح.
من منا لا يعرف اللهجات المصرية أو أحياء القاهرة كلنا نجزم أننا عرفها من الأفلام لا من المسرح. السينما هي التي تنقل صورة البلد للعالم، وهذا ما نفتقده في الأردن. صحيح أن الأردن صُوّر فيه «لورنس العرب» عام 1962، وأنه استضاف مئات المشاريع الأجنبية، لكن قصصه الأردنية قليلة.
لذلك أرى أنه يتوجب علينا مراجعة لقب « المسرح أبو الفنون».
المسرح لُقّب بـ«أبو الفنون» في زمن ما قبل الكاميرا. اليوم، الأثر والانتشار يجعل السينما أحق باللقب، إذ يمكن لفيلم واحد أن يشاهده ملايين، بينما يظل جمهور المسرح محدودًا بسعة القاعة أو مكان العرض.
ماذا لو أنفقت الدولة على فيلم تجاري الآن؟
فيلم أردني تجاري مدروس قد يفتح باب المنافسة لنا مع الدول العربية المنتجة للافلام وحتما أنه سيقدّم الأردن للعالم، بخلاف المسرح الذي يُعرض أيامًا ثم يُنسى. وقد أثبت الفن والفنان الأردني حضوره في الدراما البدوية، لكن الإنتاج تراجع مقارنة بمصر وسوريا والخليج في الآونة الأخيرة.
ما تحقق وما لم يتحقق على مستوى الفن.
تأسست الهيئة الملكية الأردنية للأفلام عام 2003، ودعمت عشرات المشاريع، ووصل فيلم «ذيب» إلى ترشيحات الأوسكار عام 2016. لكن الحاجة إلى دعم مستمر وصالات خارج العاصمة لا تزال قائمة.
المطلوب
1. أرشيف وطني موثّق لدور العرض والأفلام وهذا ما يتوجب العمل عليه لاثبات السردية الأردنية.
2. تمويل مستمر لا يرتبط بالمهرجانات وأنما دعم الفئات الشبابية الشخغوفة في إنتاج الأفلام وينقصها الكثير من المعدات والمال.
3. صالات عرض في المحافظات للفيلم الأردني ودعمه لتكوين ظاهرة دعم المشاريع الوطنية والإيمان بما يقدمه الفن الأردني.
الهواة الذين جمعوا خمسة دنانير لصناعة «صراع في جرش» لم يطلبوا أكثر من فرصة. وبعد سبعة عقود، لا تزال الفرصة هي ما يطلبه صنّاع الأفلام في الأردن.