facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دولة الكفاءات أم دولة الواسطات؟ حين يصبح الحق رهينة النفوذ والعدالة رهينة الضجيج


امل خضر
13-10-2026 06:53 PM

ما قيمة الكفاءة إذا كان صاحبها يحتاج إلى واسطة كي يُنصف؟ وما قيمة القانون إذا كان المواطن لا يشعر بفاعليته إلا عندما تتحول مظلمته إلى قضية رأي عام؟

ليست المشكلة في نقص الكفاءات بل في احتمال أن تمتلك الدولة العقول التي تحتاج إليها، ثم تعجز عن إنصافها أو تمنحها المكانة التي تستحقها. وليست المأساة أن يُظلَم إنسان فحسب بل أن يشعر بأن قدرته على الوصول إلى حقه لا تتحدد بما يملكه من أدلة، وإنما بمن يملك من علاقات ونفوذ. هنا نغادر حدود الخطأ الإداري إلى سؤال يمس عدالة الفرص وكفاءة المؤسسات وثقة المواطن بالدولة.

حين يجد صاحب الخبرة نفسه خارج الحسابات لأنه لا يستند إلى شخصية سياسية أو اقتصادية نافذة فإن الخسارة تتجاوز مستقبله الشخصي. فالمؤسسة التي تسمح للعلاقات بأن تتقدم على الاستحقاق تُضعف نفسها قبل أن تُضعف موظفيها، والاقتصاد الذي لا يستثمر كفاءاته بعدالة يهدر جزءاً من قدرته على النمو. والأسوأ أن تتحول هذه الممارسات إن تكررت، إلى رسالة صامتة للأجيال الجديدة لا يكفي أن تكون مؤهلاً بل عليك أن تعرف من يستطيع فتح الباب لك. عندها لا نخسر الكفاءات وحدها، بل نخاطر بخسارة إيمانها بجدوى الاجتهاد نفسه.

لكن السؤال الأكثر إحراجاً لماذا يحتاج بعض المواطنين إلى مواقع التواصل الاجتماعي كي يحصلوا على حقوق يفترض أن تضمنها المؤسسات قبل أن يعرف أحد أسماءهم أو يسمع قصصهم؟ لماذا قد تبقى الشكوى معلقة، ثم تتحرك الجهات المعنية عندما تنتشر القضية ويصبح تجاهلها مكلفاً أمام الرأي العام؟ إذا كانت الأدلة واحدة قبل الانتشار وبعده، فما الذي تغير حقيقة المظلمة، أم حجم الضغط المحيط بها؟

هنا تكمن خطورة المسألة. فحين يصبح الانتشار طريقاً إلى الإنصاف، تتحول العدالة عملياً إلى سباق في جذب الانتباه؛ يُسمع صوت من يستطيع الوصول إلى الجمهوروقد يبقى صاحب الحق الذي لا يملك المنصة أو الجرأة أو العلاقات وحيداً في مواجهة الانتظار. ومواقع التواصل مهما بلغت أهميتها في كشف التجاوزات لا يمكن أن تكون بديلاً عن نظام مؤسسي يعمل بكفاءة، ولا يجوز أن يكون حجم التفاعل معياراً لسرعة الاستجابة. فالحق الذي يحتاج إلى ضجة كي يظهر، كان غائباً عن المكان الذي يفترض أن يكون حاضراً فيه منذ البداية.

هذه القضية ليست تفصيلاً إدارياً يمكن احتواؤه ببيان أو معالجة حالة بعد تصاعد الجدل حولها. إنها تمس قدرة الدولة على إدارة مواردها البشريةوجاذبية بيئتها الاستثمارية، ومصداقية خطابها حول الإصلاح وتكافؤ الفرص. فلا معنى للحديث عن تحديث اقتصادي فيما يشعر صاحب المهارة بأن الطريق إلى الفرصة قد يكون أصعب من الطريق إلى إتقان العمل نفسه. ولا يمكن بناء إدارة عامة حديثة بمعايير معلنة على الورق، بينما يظل المواطن يتساءل عن المعايير التي تحكم التطبيق. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح الكفاءة معياراً فعلياً، وتصبح المساءلة إجراءً مؤسسياً، ويصبح التظلم مساراً موثوقاً لا مغامرة طويلة تنتهي أحياناً بلا جواب.

ولذلك، فإن المطلوب ليس البحث عن مسؤول نحمّله كل الأخطاء ولا تحويل كل شكوى إلى إدانة مسبقة، بل بناء منظومة تمنع التجاوز وتكشفه وتعالجه وتُلزم الجهات المعنية بالرد ضمن مدد واضحة، وتتيح مراجعة القرارات غير العادلة، وتربط التعيين والترقية بمعايير قابلة للتحقق. فالمؤسسات لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها، بل بقدرتها على ضمان تطبيقها على الجميع، بصرف النظر عن الأسماء والمواقع والعلاقات.

وهنا يجب أن يُطرح السؤال على مستوى الدولة لا على مستوى الأفراد كم فرصة ضاعت بسبب غياب تكافؤ الفرص؟ وكم كفاءة فقدت حماسها لأنها لم تجد بيئة عادلة؟ وكم مظلمة كان يمكن حلها بهدوء لو وجدت طريقاً مؤسسياً فعالاً قبل أن تصبح قضية يتداولها الناس؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها الشعارات، بل تحتاج إلى مراجعة جادة للوقائع والقرارات وآليات الرقابة والمحاسبة.

إن هيبة الدولة لا تتعارض مع النقد، بل تتعزز حين تثبت مؤسساتها أنها قادرة على تصحيح أخطائها من دون انتظار ضغط الشارع. والمسؤولية لا تعني الدفاع عن كل قراروإنما ضمان أن يكون القرار قابلاً للمراجعة، وأن يعرف المواطن أين يذهب، ومتى يتلقى جواباً، وكيف يسترد حقه إذا ثبت وقوع الظلم. تلك هي الثقة التي لا تصنعها الحملات الإعلامية، بل تصنعها العدالة حين تصبح ممارسة يومية.

المعضلة إذن ليست أن المواطن يرفع صوته بل أن يشعر بأن خفض صوته سيعني ضياع حقه. وليست أن الكفاءة تبحث عمن يدعمها، بل أن تضطر أصلاً إلى البحث عن حماية شخصية كي تنافس على أساس يفترض أن يكون عادلاً للجميع.

فإلى متى تبقى هذه الأسئلة مطروحة من دون إجابات تقاس بالنتائج؟ ومتى يصبح معيار نجاح المؤسسة عدد الكفاءات التي تحتضنها، لا عدد الأزمات التي تنجح في احتوائها؟ ومتى يستطيع المواطن أن يثق بأن شكواه ستُسمع لأن القانون يوجب ذلك، لا لأن آلاف الأشخاص شاهدوها؟

الدولة القوية ليست التي لا تظهر فيها المظالم، بل التي لا تسمح للمظلمة بأن تصبح الطريق الوحيد لكشف خللها. والدولة العادلة ليست التي تنصف من ارتفعت أصواتهم فقط، بل التي تحفظ حقوق من لا صوت لهم. أما الكفاءة، فلا ينبغي أن تحتاج إلى واسطة كي تعمل، ولا إلى نفوذ كي تتقدم، ولا إلى معركة علنية كي تُنصف.

ذلك هو الاختبار الحقيقي أن يكون القانون أقوى من العلاقات، والاستحقاق أسبق من النفوذ، والمؤسسة أسرع من الضجيج. وما لم يتحقق ذلك، فستظل القضية أكبر من شخص ظُلم أو حق تأخر؛ ستظل سؤالاً مفتوحاً عن العدالة التي يستحقها المواطن، وعن الدولة التي نريدها أن تكون جديرة بثقته. حمى الله الاردن واطال الله بعمر سيدي صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني المعظم





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :