المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل بوصلة استراتيجية واحدة للأردن الرقمي
طلال البواعنة
13-10-2026 07:23 PM
يحظى ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باهتمام ملكي ملموس، عكسته العديد من المبادرات والتوجيهات السامية الهادفة إلى تعزيز مكانة الأردن في العالم الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة، ولعل من أبرز هذه الخطوات توجيه جلالة الملك المعظم بداية العام 2025 بتشكيل المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل برئاسة رئيس الوزراء، وبمتابعة مباشرة من سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ليشكل إطاراً وطنياً يهدف إلى دفع المشاريع التكنولوجية النوعية، وتعميق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتسريع وتيرة توظيف التكنولوجيا في القطاعات ذات الأولوية.
تكتسب هذه المبادرات ميزة إضافية بفضل ما يملكه الأردن من كفاءات بشرية مؤهلة، وقطاع اتصالات وتكنولوجيا معلومات متطور نسبياً، وموقع جغرافي يؤهله للقيام بدور إقليمي في الخدمات الرقمية، وتعكس المتابعة الحثيثة لسمو ولي العهد لأعمال المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل ومشاريعه إدراكاً مبكراً لأهمية الانتقال من الخطط والاستراتيجيات إلى التنفيذ العملي، وهو ما ظهر في عدد من المبادرات المرتبطة بالتعليم والخدمات الحكومية والتحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
تعدد المؤسسات : ميزة تستدعي التكامل
تكشف القراءة المتأنية للمشهد التكنولوجي الأردني عن وجود منظومة واسعة من المؤسسات تناط بها أدوار مهمة في هذا القطاع، حيث تتولى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة مسؤولية صياغة سياسات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فيما يضطلع مجلس حماية البيانات الشخصية بمهام تنظيمية ورقابية، بينما يقع على عاتق المركز الوطني للأمن السيبراني حماية الفضاء الوطني من التهديدات الرقمية، فضلاً عن أدوار لكل من وزارة الاستثمار والمجلس الاعلى للعلوم والتكنولوجيا والجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الأمنية والدفاعية وشركات الاتصالات والقطاع الخاص.
يضاف إلى ذلك، المشروع الاستثماري النموذجي الذي افتتحه سمو ولي العهد في تشرين الأول 2025 وهو مدينة العقبة الرقمية Aqaba Digital Hub، حيث يضم بنية تحتية متخصصة تشمل مراكز البيانات والاتصالات والربط عبر الكوابل البحرية، بما يعزز فرص المملكة في استقطاب الاستثمارات التكنولوجية.
هذا التنوع يعتبر مؤشراً ودليلاً على الرعاية والاهتمام الوطني بمواكبة التكنولوجيا وتحويلها إلى عنصر قوة للدولة، غير أن تعدد الجهات المعنية بقطاع سريع التطور، يدعو إلى ضرورة التكامل بين كافة الأطراف المنخرطة بملف التكنولوجيا والتحول الرقمي، لتجنب الازدواجية والتحديات التي قد تنشأ عندما تتطلب المشاريع التكنولوجية الكبرى تعاوناً متزامناً بين جهات متعددة، وبما قد يؤثر على سرعة إتخاذ القرار ووضوح الاجراءات أمام المستثمرين والشركات المطورة.
وفي هذا الإطار لا ندعو إلى تقليص عدد المؤسسات أو إعادة توزيع اختصاصاتها، بل ضمان عملها برؤية وطنية متكاملة، تتلاقى فيها السياسات الحكومية والمشاريع الاستثمارية والاعتبارات الأمنية، وتتعاظم أهمية التنسيق والتكامل، نظراً للطبيعة الخاصة للتكنولوجيا الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي، الذي يجمع بين فرص اقتصادية واستثمارية واعدة، وتحديات تتصل بالأمن الوطني والسيادة على البيانات الرقمية.
بالعودة إلى الرسالة الملكية التي وجهت بتشكيل المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، نجد أن أهدافه لم تقتصر على إطلاق مبادرات تكنولوجية جديدة، بل شملت وضع خارطة طريق للمشاريع الحيوية ومتابعة تنفيذها، بما يعكس التوجهات الواضحة لإيجاد إطار مؤسسي للمتابعة والإشراف على الإنجاز، ويتأكد ذلك بالتوجيهات التي أصدرها سمو ولي العهد خلال ترؤسه اجتماعاً للمجلس بتاريخ 13/5/2026، خصص لمعالجة الازدحامات المرورية باستخدام التكنولوجيا، حيث أكد سموه على أهمية التكامل بين المؤسسات المعنية والاستفادة من الخبرات المتاحة في القطاعين العام والخاص لهذه الغاية.
ومن هنا، تبرز أهمية أن يكون المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل بوصلة استراتيجية جامعة للمشاريع الوطنية الكبرى في مجال التكنولوجيا، دون أن يتحول لجهة تنفيذية إضافية أو بديلاً عن المؤسسات المختصة، وإنما الاستفادة من مكانته وتشكيلته، لتحقيق التكامل وتسريع معالجة القضايا التي تتطلب تعاوناً بين عدة مؤسسات، وتوفير رؤية أوضح للمستثمرين.
ومن الخطوات العملية الجديرة بالدراسة تطوير آلية تنسيقية تحت مظلة المجلس، تجمع المؤسسات المختصة لتقييم المشاريع التكنولوجية الكبرى ذات الأبعاد السيادية، بحيث لا تقتصر على الجدوى الاقتصادية والاستثمارية، بل تشمل متطلبات حماية البيانات العامة، والاستدامة، ونقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا، ومن أبرز الملفات التي تستحق أن تخضع لولاية المجلس بالشراكة مع الأطراف المعنية هي إدارة ملف السيادة الوطنية على الذكاء الاصطناعي ووضع التصورات اللازمة لبناء نموذج محلي يلائم إمكاناتنا ومواردنا ويحفظ البيانات الحساسة والسيادية، ويعزز استقلالية القرار الأردني في المجال الرقمي.
إن ما تحقق في الأردن من مبادرات ومشاريع تكنولوجية واعدة، في ظل الاهتمام الملكي والمتابعة الحثيثة من سمو ولي العهد، يشكل أساساً مهماً للبناء عليه، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب سد أي ثغرات في عمليات التنسيق، وهنا تكمن القيمة المضافة للمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، فالأردن لا يحتاج إلى مزيد من المؤسسات بقدر حاجته إلى تعظيم التكامل بين مؤسساته القائمة.