مؤسسة ولي العهد والشباب الأردني .. من التمكين إلى الحقوق التنموية
د. يوسف فايز يوسف الدلابيح
14-10-2026 12:57 AM
مختص بحقوق الإنسان والتاريخ السياسي والقانون الدولي
لا يُقاس الاستثمار في الشباب بعدد المبادرات والبرامج فحسب، بل بمدى قدرتها على توسيع فرص التعليم والعمل والمشاركة، وتحويل طاقات الشباب إلى إمكانات حقيقية تسهم في التنمية الوطنية. ومن هذا المنطلق، تمثل الذكرى العاشرة لتأسيس مؤسسة ولي العهد مناسبة للتأمل في مسيرة العمل الشبابي في الأردن، ودور المؤسسات الوطنية في إعداد جيل قادر على مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمشاركة في صناعة المستقبل.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها في ظل التحديات التي تواجه الشباب الأردني، وفي مقدمتها صعوبة الانتقال من التعليم إلى سوق العمل، والحاجة إلى تطوير المهارات المهنية والرقمية، وتوسيع فرص الابتكار وريادة الأعمال. فتمكين الشباب لم يعد مسألة مرتبطة بالتدريب والتأهيل وحدهما، بل أصبح جزءًا من رؤية تنموية متكاملة تتطلب تعاون المؤسسات الوطنية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.
وقد حظي ملف الشباب باهتمام على المستويين الوطني والدولي، وبرز ذلك في عام 2015 عندما ترأس سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، جلسة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خُصصت لمناقشة دور الشباب في تحقيق السلام والأمن. وفي العام نفسه، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2250 بشأن الشباب والسلام والأمن، الذي أكد أهمية مشاركة الشباب في بناء السلام والوقاية من النزاعات. وتبرز دلالة هذه المحطة في ترسيخ فكرة أن الشباب ليسوا مجرد متلقين لنتائج السياسات العامة، بل شركاء في معالجة التحديات وصناعة المستقبل.
وفي السياق الأردني، تمثل مؤسسة ولي العهد إحدى التجارب الوطنية المعنية بدعم الشباب من خلال المبادرات والبرامج المرتبطة بالتعليم والتدريب والابتكار والريادة. كما يعكس الاهتمام بالتعليم التقني والمهارات التطبيقية، ومنه تجربة جامعة الحسين التقنية، أهمية ربط المعرفة الأكاديمية بمتطلبات سوق العمل، في ظل التحولات الرقمية والتكنولوجية التي تعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.
غير أن تقييم أي تجربة تنموية لا يكتمل بمجرد استعراض البرامج والأنشطة، بل يتطلب النظر في أثرها الفعلي على فرص الشباب ومستقبلهم. فالمعيار الأهم لا يقتصر على عدد المستفيدين، وإنما يشمل مدى الوصول إلى مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية، وقدرة البرامج على تطوير المهارات وتحسين فرص التشغيل وتعزيز المشاركة المجتمعية. وتزداد قيمة هذه الجهود عندما تراعي تفاوت الاحتياجات، وتوفر فرصًا أكثر عدالة للشباب، وتستند إلى تقييم مستمر للنتائج.
ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، يرتبط تمكين الشباب بالحق في التعليم والحق في العمل، وهما من الحقوق التي أقرها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أكد إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية لعام 1986 أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وأن مشاركته الفاعلة فيها عنصر أساسي. وتتيح هذه المرجعيات فهم العمل الشبابي في إطار أوسع من المبادرات المؤسسية، باعتباره جزءًا من الجهود الرامية إلى توسيع الفرص وتعزيز قدرة الأفراد على المشاركة في التنمية.
ولا يعني ذلك أن المبادرات التدريبية أو البرامج الشبابية تكفي وحدها لتحقيق هذه الحقوق؛ فالأمر يتطلب أيضًا سياسات عامة تدعم جودة التعليم، وتوسع فرص العمل اللائق، وتحد من العوائق الاقتصادية والاجتماعية التي تحول دون استفادة الشباب من الفرص المتاحة. وهنا تبرز أهمية التكامل بين المؤسسات العاملة مع الشباب والجهات التعليمية والقطاع الخاص، بحيث ترتبط برامج التأهيل باحتياجات سوق العمل، وتتحول المهارات المكتسبة إلى فرص عملية ومستدامة.
وتنسجم هذه الأولويات مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، والهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي. فالتعليم لا تكتمل قيمته بالحصول على شهادة فحسب، بل بقدرته على بناء المعرفة والمهارات، كما أن توفير فرص العمل ينبغي أن يقترن بمراعاة الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص. ومن هنا، يصبح إشراك الشباب في تحديد أولويات البرامج وتقييم نتائجها عاملًا مهمًا في تعزيز فاعليتها واستجابتها لاحتياجاتهم.
وبعد عشرة أعوام على تأسيس مؤسسة ولي العهد، تبرز أهمية البناء على التجربة المتراكمة، ومواصلة تطوير البرامج على أساس الاستدامة وقياس الأثر وتكامل الأدوار. فالتنمية الشبابية مسؤولية مشتركة، تتطلب تعاون المؤسسات الوطنية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، ضمن رؤية تستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية وتمنح الشباب دورًا فاعلًا في صياغة مستقبلهم.
إن تمكين الشباب ليس غاية منفصلة عن التنمية، بل أحد شروط نجاحها واستمرارها. وتزداد قيمة التجارب الوطنية عندما تنجح في تحويل المبادرات إلى فرص ملموسة، وتربط بين التعليم والعمل والمشاركة، وتتيح للشباب أن يكونوا شركاء في التنمية لا مجرد متلقين لبرامجها. ومن هنا، فإن تجربة مؤسسة ولي العهد تفتح المجال لمواصلة العمل على توسيع الفرص وتعزيز المشاركة، بما يدعم حقوق الشباب ويسهم في بناء أردن أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.