facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مروان المعشر وسؤال الدولة: لماذا يتعثر الإصلاح عند عتبة التنفيذ؟


فيصل تايه
14-10-2026 10:57 AM

في الندوة الحوارية التي نظمها منتدى حوار الثقافي في المركز الثقافي الملكي، بعنوان "تطلعات المجتمع الأردني وانعكاساتها على السياسة العامة"، وقدمها الدكتور محمود مساد، طرح الدكتور مروان المعشر جملة من القضايا المتصلة بمسار الإصلاح في الأردن، وعلاقة السياسات العامة بتطلعات المجتمع، في سياق تتداخل فيه تحديات التنمية والتعليم والمشاركة السياسية مع أسئلة الثقة والقدرة على الإنجاز.

ومن بين القضايا التي تستحق التوقف عندها، التمييز بين الإصلاح والتحديث. فالتحديث، في أحد أبعاده، قد يتجسد في تطوير الأدوات والإجراءات، أما الإصلاح فيتصل بعمق السياسات وطريقة عمل المؤسسات وقدرتها على معالجة مواطن الخلل.

ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز تغيير الوسائل إلى جوهر النتائج: هل تتغير طريقة معالجة المشكلات، وتتعزز سيادة القانون، أم تتبدل الأدوات فيما تبقى أسباب الخلل قائمة؟

ويحتل التعليم موقعاً محورياً في هذه المعادلة؛ إذ لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية مستدامة من دون مراجعة فلسفة التعليم وأهدافه. فالتحدي لا يقتصر على تحديث المناهج أو إدخال التكنولوجيا إلى الصفوف، بل يمتد إلى بناء قدرات التفكير النقدي والإبداعي، والانتقال من استهلاك المعلومات إلى إنتاج المعرفة. فالتعليم الذي يهيئ الإنسان للمشاركة والابتكار والعمل المنتج يشكل ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي جاد.

وتبرز الأجندة الوطنية، التي أُعدت عام ٢٠٠٤ بمشاركة واسعة من أطياف المجتمع، مثالًا على أهمية التوافق في صياغة الرؤى الإصلاحية. غير أن التجربة تطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: لماذا لا تكفي الرؤية المتوافق عليها لضمان تحقق أهدافها؟

وفي أثناء قراءتي لتحليل الدكتور ذوقان عبيدات للندوة، استوقفتني ملاحظته بشأن تعثر طموحات الأجندة الوطنية، ولا سيما ما أشار إليه من قصر النظر وضعف إرادة الإصلاح داخل بعض مؤسسات الدولة، وتقديم الاعتبارات الأمنية أحيانًا على مسارات الإصلاح الديمقراطي.

وقد أعادتني هذه الملاحظة إلى سؤال جوهري: ما قيمة التوافق على مشروع وطني، مهما اتسعت المشاركة في صياغته، إذا لم تتوافر الإرادة المؤسسية الكافية لتحويله إلى واقع ملموس؟ فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في غياب الرؤى والخطط، بل قد تكمن في المسافة التي تفصل بين إقرارها والالتزام بتنفيذها.

ولا ينفصل هذا السؤال عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع الأردني، من البطالة والفقر إلى المديونية وضغوط المعيشة. فهذه القضايا ليست أرقامًا في تقارير اقتصادية فحسب، بل عوامل تؤثر في شعور المواطنين بجدوى السياسات العامة، وفي مستوى ثقتهم بقدرة المؤسسات على الاستجابة لأولوياتهم. وكلما اتسعت المسافة بين الوعود والنتائج، ازدادت الحاجة إلى مراجعة السياسات وأدوات تنفيذها.

ومن هنا تكتسب فكرة العقد الاجتماعي أهميتها؛ فالعلاقة بين الدولة والمواطن لا تستقيم بالحديث عن الواجبات وحدها، ولا بالمطالبة بالحقوق بمعزل عن المسؤولية المشتركة. إنها علاقة متبادلة تقوم على سيادة القانون وتكافؤ الفرص والمواطنة الفاعلة. فالدولة مطالبة بتوفير الأمن والعدالة والفرص والتنمية، فيما يشارك المواطن في الحياة العامة ويتحمل مسؤولياته القانونية والوطنية. ولا يترسخ هذا التوازن بالشعارات، بل بالممارسة والثقة والإنصاف.

وتتصل المشاركة السياسية بهذه العلاقة اتصالًاً مباشراً؛ فالمشاركة الفاعلة لا تُقاس بمجرد وجود الأطر والإجراءات، بل بقدرة المواطنين على التأثير في القرار والشعور بأن أصواتهم ممثلة. ومن هذا المنظور، تبرز اللامركزية بوصفها مدخلًا يستحق التطوير، متى اقترنت بصلاحيات واضحة وقدرة فعلية للمجتمعات المحلية والمحافظات على تحديد أولوياتها والمساهمة في القرار، بدل أن تبقى المشاركة محكومة بإجراءات شكلية. فالثقة لا تُطلب من المجتمع فحسب، بل تُبنى أيضاً من خلال مؤسسات تستجيب له وتتيح له دورًا حقيقيًا.

أما إقليمياً، فإن التحديات التي تواجه الأردن تفرض قراءة العلاقة بين الأمن الوطني والاستقرار والتنمية قراءة شاملة. وفي هذا السياق، يحضر موقف الأردن من السياسات الإسرائيلية تجاه المنطقة والقضية الفلسطينية، كما برز في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. فالأمن الوطني لا ينفصل عن حماية المصالح الأردنية، ولا عن الاستقرار الإقليمي، كما لا ينبغي أن يُختزل في بعده الأمني بعيدًا عن متطلبات التنمية والتماسك الداخلي.

وتلتقي هذه المحاور عند حقيقة أساسية: التعليم والتنمية والمشاركة السياسية والثقة بالمؤسسات ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في مسار واحد. فالتعليم يهيئ الإنسان للإنتاج والمشاركة، والتنمية توسع الفرص، والمشاركة تعزز الإحساس بالمسؤولية والانتماء، فيما يمنح الإصلاح المؤسسي هذه العناصر القدرة على التحول إلى نتائج مستدامة.

في النتيجة، تظل تجربة الأجندة الوطنية سؤالاً مفتوحاً أمام صانعي السياسات والرأي العام: كيف يمكن الانتقال من التوافق على الرؤى إلى تنفيذها، ومن الخطط المكتوبة إلى أثر يلمسه المواطن في حياته اليومية؟

فالمعيار الحقيقي لجدية الإصلاح ليس ما تتضمنه الوثائق وحدها، بل ما تحدثه من تغيير في أداء المؤسسات، وعدالة الفرص، ومستوى الثقة بين الدولة والمجتمع. وبين التوافق والتنفيذ تتحدد المسافة التي ينبغي أن ينجح الإصلاح الأردني في اجتيازها.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :