حين تغيب العدالة.. ولا تتكافأ الفرص.. ويصبح الوصول إلى الحق.. أصعب من الحق نفسه.. يجد المواطن نفسه مضطراً للبحث عمّن يفتح له باباً أُغلق في وجهه.. أو يعيد إليه حقاً.. عجز عن الوصول إليه بالقانون.
وهنا تبدأ الحكاية.. التي صنعتها بيئة الفساد.. حتى أصبح البعض يبحث عن واسطة.. ليحصل على ما كان يفترض أن يحصل عليه دون واسطة..
الأصل.. أن لا تكون هناك واسطة.. لا في تعيين.. ولا في ترقية.. ولا في نقل.. ولا في أي معاملة.. وأن يكون القانون والعدل والشفافية.. هي الفيصل بين الناس..
فلا يتقدم صاحب حظوة على صاحب كفاءة..
ولا يُحرم مستحق.. لأن غيره يعرف مَن يعرف..
لكن.. حين تتكرس الواسطة.. وتضيع الحقوق.. يظهر مَن يحاول استخدامها في الاتجاه المعاكس.. وهذا ما أسميه الواسطة المحمودة.. وهي أن يتدخل إنسان لدى مسؤول.. أو جهة معنية.. لا ليأخذ حق الآخرين.. بل ليساعد صاحب حق في الوصول إلى حقه.. بعد أن عجز عن تحصيله وحده.. أو طال انتظاره دون مبرر..
وهؤلاء في الغالب.. لا يبحثون عن مصلحة شخصية.. بل يحملون هموم الناس.. ويسعون لمساعدتهم بما يستطيعون.. وقد ينجحون في طلب.. ويعجزون عن آخر.. لا لأنهم لا يريدون المساعدة.. بل لأن الأبواب التي يطرقونها.. لا تُفتح للجميع.. ولأن المسؤول قد يستجيب لطلب.. أو اثنين.. لكنه لا يستطيع.. أو قد لا يريد الاستجابة لكل الطلبات.. مهما كانت وجاهة أصحابها..
ومع كثرة المظلومين.. وقلة الفرص.. وشراسة المصالح والواسطات الفاسدة.. يصبح حامل الواسطة المحمودة في نظر مَن لم يستطع مساعدته مقصراً.. وربما يُلام على أمر لا يملكه أصلاً.. وكأن قدرته على مساعدة شخص واحد.. تعني أن بإمكانه حل مشكلات الجميع..
وهنا أقول لكل مَن لجأ إلى شخص لمساعدته.. ولم يتمكن من تلبية طلبه.. لا تتعجل في الحكم عليه.. فقد يكون قد حاول من أجلك أكثر مما تعرف.. وواجه من العقبات ما لم تره.. وربما كان عجزه عن مساعدتك.. أكبر ألماً عليه من خيبة أملك أنت..
وأقول أيضاً.. إننا لا نريد أن تصبح الواسطة المحمودة بديلاً عن العدالة.. ولا أن نُجمّل بها واقعاً فاسداً.. فمحاربة الواسطة.. تبدأ بإغلاق أبوابها جميعاً.. وإعادة الحقوق إلى أصحابها.. دون حاجة إلى قريب.. أو صديق.. أو صاحب نفوذ..
لكن إلى أن يتحقق ذلك.. لا ينبغي أن نُحمّل مَن يحاول تخفيف الظلم عن الناس.. مسؤولية الظلم الذي لم يصنعه..
ولذلك.. إذا لم يستطع أحدهم أن يجود لك بما تطلب.. فتذكروا المثل الشعبي الذي يقول.. اللّي ما بيجودلك.. بيجود لغيرك..
أي أن مَن لم يتمكن من مساعدتك.. قد يتمكن من مساعدة غيرك.. وأن تعذّر طلبك.. لا يعني بالضرورة أنه قصّر معك.. أو خذلك.. فلكل إنسان قدرته وحدوده.. ولكل باب مفتاح.. لا يملكه الجميع..
فهلّا عذرتموه؟!.. لا لأنه فوق المساءلة.. بل لأن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم الناس على ما عجزوا عنه.. وأن نشكر مَن حاول مساعدتنا.. حتى إن لم يصل إلى ما نريد..
وفي الوقت نفسه.. نبقى متمسكين بحقنا في وطن.. لا يحتاج فيه المواطن إلى واسطة كي ينال حقه..