facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تعمل ولا تفكر: الجامعة بين استمرار الوظيفة وفقدان الغاية


أ.د. عبدالله سرور الزعبي
14-10-2026 09:46 PM

لا تحتاج الجامعة إلى أن تغلق أبوابها كي تموت، ولا إلى أن تخلو مدرجاتها من الطلاب، ولا إلى أن تتوقف عن منح الشهادات. يمكن أن تبقى المباني مضاءة والقاعات ممتلئة والشهادات تصدر كل عام، بينما تكون الجامعة قد فقدت ما يجعلها جامعة: قدرتها على صناعة العقل وإنتاج المعرفة وطرح الأسئلة التي لا يستطيع المجتمع طرحها في مكان آخر. فالجامعة لا تموت عندما تتوقف عن العمل، بل عندما تستمر في العمل بعد أن تفقد وظيفتها الحقيقية. قد تزيد أعداد طلبتها وبرامجها وأبحاثها، وتتحسن مرتبتها في التصنيفات، وتوسع مبانيها، وتستحدث وحدات إدارية جديدة، ثم تكتشف بعد سنوات، أنها لم تنتج بالضرورة طالبًا أفضل أو بحثًا أكثر تأثيرًا، ولا معرفة أكثر ارتباطًا بمستقبل الدولة. عندها تكون قد نجحت في كل

ما يمكن قياسه، وفشلت في أهم ما لا يُقاس بسهولة. وهنا يبدأ الموت البطيء: عندما تصبح مؤشرات النجاح أهم من النجاح نفسه.

ولفهم ما فُقد، علينا أن نتذكر ما كانت تعنيه الجامعة أصلًا. لم ينظر جون هنري نيومان إليها بوصفها مصنعًا للمهن والشهادات، بل مكانًا لتكوين العقل وبناء قدرة الإنسان على الفهم والتمييز والحكم. ووضع فون هومبولت أساس وحدة التعليم والبحث: فالجامعة مجتمع علمي يبحث فيه الأستاذ والطالب معًا عن الحقيقة، لا مكان يردد فيه الأستاذ معرفة جاهزة. وذكّر خوسيه أورتيغا، بأن التخصص وحده لا يصنع إنسانًا يفهم زمانه ومشكلاته. وتصوّر المفكر سافال جامعة المستقبل جامعةً بلا أسوار، تنتج المعرفة وتندمج في المجتمع والاقتصاد وتقدم لهما الريادة والابتكار. ثم وصف بيتر فليمنغ الوجه المعاصر لأزمة بعض الجامعات: بيروقراطية وتجارية، وطالب يتحول إلى مستهلك، وأستاذ إلى
منتج للمؤشرات، وجامعة تنشغل بقياس نفسها حتى تنسى لماذا وُجدت، فوصف مثل هذه الجامعة بالجامعة الزومبي: تبدو حية من الخارج، وقد فقدت روحها من الداخل.

وهكذا يمكن اختصار رحلة الجامعة في سؤال واحد: بدأت الجامعة بتكوين العقل، ثم أصبحت مطالبة بإدارة المعرفة، ثم أصبحت مطالبة بقياس المعرفة، والخطر أن تنتهي إلى إدارة المؤشرات التي يفترض أنها تقيس المعرفة.

وهنا يجب أن نتوقف في الأردن. وليس من الإنصاف أن نكتب تاريخ التعليم العالي الأردني كقصة تراجع مستمر؛ فقد بنى الأردن، رغم محدودية موارده، جامعات صنعت سمعة علمية إقليمية. لكن الرصيد التاريخي للجامعات يصبح خطرًا حين يحل محل التجدد، فالجامعات لا تعيش على سمعتها القديمة، كما لا يعيش الاقتصاد على مصنع نجح قبل ثلاثين عامًا. وعندها تتبدل الأسئلة بصمت: بدل أن نسأل كيف نبني جامعة تنتج المعرفة، نسأل كيف نستقطب مزيدًا من الطلبة، ونفتح برامج جديدة، ونحافظ على الإيرادات، ونرفع موقعنا في التصنيف. وهي أسئلة مشروعة، لكن المشكلة تبدأ حين تحل الوسائل محل الغاية. فعدد الطلاب لا يخبرنا عن جودة التعليم، وعدد الأبحاث لا يخبرنا عن أثرها، والتصنيف لا يخبرنا عن نوع العقل الذي تصنعه الجامعة. والسؤال الأهم: هل الطالب الذي تخرج أصبح أكثر قدرة على التفكير مما كان عندما دخل؟

وعندما تصبح الأرقام هي الحقيقة الوحيدة التي تراها المؤسسة، يتغير السلوك: يهتم الأستاذ بما يدخل ملف الترقية أكثر مما يحتاجه الطالب، وينشغل الباحث بعدد الأوراق أكثر من السؤال الذي تستحق الورقة أن تجيب عنه. وهذا ما يجعل نقد فليمنغ مهمًا: فالمشكلة ليست في الإدارة أو التقييم أو التصنيف في حد ذاتها، بل في اللحظة التي يصبح فيها ما يمكن قياسه أهم مما يستحق القياس. نعرف بسهولة عدد الأبحاث التي نشرها الأستاذ، لكن كيف نقيس عدد العقول التي غيّرها؟ ونحصي المختبرات، لكن كيف نقيس الأفكار التي وُلدت فيها؟ ونعرف عدد الخريجين، لكن كيف نعرف من أصبح منهم قادرًا على الابتكار أو حل مشكلة وطنية أو تغيير طريقة التفكير في قضية ما؟

ولا أكتب هذا وانا بعيدً عن التجربة. فحين كنت رئيسًا لجامعة، اتصل بي أحد المسؤولين قائلًا: لا يهمني أن تصبح الجامعة التي تقدودها مثل جامعة هارفارد، ولا أن تسدد ديونها، ما يهمني ألا يكون مشاكل طلابية وأن لا تعطل مصالحنا. لم يسأل عن المعرفة ولا عن الطالب ولا عن البحث. كان المطلوب جامعة هادئة، أي جامعة لا تزعج أحدًا، وهذا نقيض جامعة سافال التي تخرج إلى المجتمع بدل أن تُحبس داخل ما يريحه. وهذا ما يحدث حين يُنظر إلى الجامعة كقطاع يجب ضبطه لا كعقل يجب إطلاقه. وعرفت كذلك بعض من يرسمون مستقبل البحث العلمي، وقد فشلوا هم أنفسهم في إدارة ابسط المشاريع المموّلة من صندوق دعم البحث العلمي، وان بعض المنظرين في التعليم والبحث، هم انفسهم مستلي للبحوث، وعرفت بعض القيادات تتحدث عن الجودة في كل مناسبة ثم تضغط لترقية أكاديميين ببحوث مستلّة أو غير موجودة اصلاً، فيصبح الخطاب عن الجودة غطاءً لممارسة تناقضه.

وهنا نصل إلى أكثر المفارقات إيلامًا: نريد من الطالب أن يكون مبدعًا وناقدًا وجريئًا في السؤال، ثم نضعه أحيانًا في بيئة لا يرى فيها هذه القيم تُمارس. فالطالب لا يتعلم من الكتاب وحده، بل من المؤسسة: حين يسمع أستاذه يقول "لا أعرف" يتعلم أن حدود المعرفة بداية البحث، وحين يراه يغيّر رأيه أمام دليل جديد يتعلم أن المراجعة قوة، وحين يرى قيادة تستمع إلى النقد يفهم أن الجامعة مكان للسؤال. وهكذا تصبح القيادة الأكاديمية منهجًا دراسيًا غير مكتوب. يمكن للجامعة أن تدرّس "التفكير النقدي" في مقرر، لكنها لن تنتج ناقدًا إذا رأى الطالب عكس ذلك في حياتها المؤسسية؛ ولا يمكنها أن تدرّس الحرية الفكرية بمحاضرة ثم تلغيها في الممارسة، ولا أن تطلب منه أن يختلف أو يجرّب أو يخطئ إذا كانت ثقافتها لا تحتمل الاختلاف والخطأ. فالطالب يصدّق ما تفعله الجامعة أكثر مما يصدّق ما تقوله. فهل نريد طالبًا يفكر، أم طالبًا يفكر بالطريقة التي اعتدنا أن نفكر بها؟ الفارق بينهما هو الفارق بين جامعة تنتج المعرفة وجامعة تعيد إنتاج ما تعرفه.

والتاريخ يقول إن النجاح لا يحمي الجامعة. فجامعة سالامانكا، من أقدم جامعات أوروبا، كانت مركزًا علميًا كبيرًا ثم مرت بمراحل طويلة من التراجع حين ضعفت قدرتها على التجدد. فالجامعة لا تتراجع لأنها قديمة، بل حين يصبح قِدمها أقوى من قدرتها على التجدد. وفي المقابل بنت جامعات أخرى مكانتها لأنها لم تُعامَل كمؤسسات منعزلة: ففي سنغافورة ارتبطت الجامعات بالصناعة والحكومة ومراكز البحث، فلا تنتهي رحلة المعرفة عند نشر الورقة بل تمتد إلى المختبر والشركة والسياسة العامة، وفي فنلندا تعدّ رؤية التعليم العالي حتى 2040 الجامعة جزءًا من مستقبل الدولة والاقتصاد، لا قطاعًا خدميًا يجب ادارته. والدرس ليس أن نقلّدهما، بل أن ندرك أن الدول التي تعدّ الجامعة استثمارًا استراتيجيًا تسأل: ماذا نريد منها بعد عشرين عامًا؟ أما التي تعدّها قطاعًا خدميًا فتسأل: كيف نديرها هذا العام؟

فماذا ينتظرنا إذا استمر المسار؟ السيناريو الأخطر ليس انهيار الجامعات، بل بقاؤها وهي أقل تأثيرًا: ستظل الأبواب مفتوحة والشهادات تصدر، وقد تستمر بعض التصنيفات في التحسن، لكن المسافة ستتسع بين الشهادة والمهارة، وبين التخصص وسوق العمل، وبين البحث وحاجات الاقتصاد. والعالم لن ينتظر: فالذكاء الاصطناعي لن ينتظر المناهج، والاقتصاد الرقمي لن ينتظر إعادة هيكلة الكليات، ومشكلات المياه والطاقة والأمن الغذائي والأمن السيبراني لن تنتظر دورة أكاديمية جديدة. وحين تتحرك الجامعة أبطأ من العالم، لن تكون المشكلة تعليمية فقط، بل تصبح المشكلة مشكلة تنافسية للدولة كلها. لذلك لا يحتاج الأردن إلى سباق جديد في عدد الجامعات والبرامج، بل إلى جامعة بلا أسوار تندمج وتبتكر وتقود فعلًا لا قولًا: جامعات تحدد لنفسها مجالات تميز حقيقية، ومراكز وطنية تقود البحث في المياه والطاقة والصناعات التحويلية والدوائية والصحة والذكاء الاصطناعي والزراعة والسياحة والتراث، وتمويل بحثي تنافسي يكافئ الأثر لا عدد الأوراق، وقطاع خاص شريك في البحث والتدريب لا منتظر للخريج، وطالب مشارك في العملية العلمية لا متلقٍ لها.

غير أن كل ذلك يصطدم بحقيقة واحدة: لا إصلاح يبدأ من البرامج. فمن السهل أن نفتح تخصصًا أو نغيّر اسم كلية أو نضيف مساقًا في الذكاء الاصطناعي أو نكتب خطة استراتيجية جديدة، لكن الجامعة لا تتغير بذلك وحده. التغيير يبدأ عندما تتغير الثقافة التي تنتج هذه الأشياء، وتلك الثقافة تصنعها القيادة. المدير يحافظ على ما هو موجود ان استطاع، أما القائد فيسأل: ما الذي يجب أن يوجد ولم يوجد بعد؟ والقيادة التي تريد طالبًا مبتكرًا يجب أن تجرّب الجديد، والتي تريد طالبًا ناقدًا يجب أن تحتمل النقد، والتي تريد باحثًا مستقلًا يجب أن تحمي استقلال البحث؛ ومن لا يملك الكفاءة العلمية والنزاهة لا يستطيع أن يمنح الجامعة ما ليس عنده. فالخطة الجيدة في يد قيادة لا تؤمن بها وغير قادرة على تنفيذها تتحول إلى وثيقة أخرى في الادراج، وعندها يصبح تصورنا لمستقبل التعليم ليس أكثر من حبر على ورق، إذا نفّذها من لا يملكون أدواتها (وهذ ما هو حاصل في بعض الجامعات). لذلك نحتاج إلى معايير شفافة لاختيار القيادات، ومساءلة حقيقية عن الأداء البحثي والإداري، وحماية للأكاديمي الذي يرفض الانصياع، وإلى إصلاحات حقيقية لا تجميلية.

وليس المطلوب جامعة هادئة، فالجامعة الهادئة جدًا قد تكون جامعة لا يحدث فيها شيء؛ المطلوب جامعة حية فكريًا تختلف وتجرّب وتفشل وتعيد المحاولة، ويرى فيها الطالب مؤسسة تمارس التفكير الذي تطلب منه أن يتعلمه. والاردن يبدأ في ذلك من رصيد حقيقي لا من الصفر: خبرات وتاريخ جامعي، وأساتذة وباحثون، وجامعات ما زالت قادرة على المنافسة، وطلبة قادرون ووافدون يختارون الأردن، وموقع جغرافي وثقافي يؤهل المملكة لتكون مركزًا تعليميًا إقليميًا. لكن هذا الرصيد لن يكون ضمانة للمستقبل إذا تعاملنا معها كأرصدة ثابتة؛ فالجامعة مشروع أجيال، وأكبر خطأ أن نديرها بعقلية الدورة الإدارية القصيرة. الأردن لا يحتاج إلى إنقاذ الجامعة، بل إلى استعادة فكرتها.

ولهذا فإن السؤال النهائي ليس: كم جامعة لدينا؟ ولا: كم طالبًا تخرج؟ ولا حتى: في أي مرتبة نحن؟ بل: هل ما زالت جامعاتنا قادرة على تغيير الإنسان الذي يدخلها، وإنتاج المعرفة التي يحتاجها الأردن، وتخيل المستقبل قبل أن يصل؟ إن كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نحمي هذه القدرة ونوسعها، وإن بدأت تصبح أقل وضوحًا، فعلينا أن نتوقف قبل أن يصبح الإصلاح أصعب. فالجامعة لا تموت عندما تخلو قاعاتها من الطلاب، بل عندما تخلو عقولها من الأسئلة، وعندئذ لا نخسر جامعة فحسب، بل نخسر قدرة دولة كاملة على تخيل مستقبلها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :