عقلك يتّسع لثلاثة قرون من الفيديو .. فلماذا تنسى أحياناً ما حدث قبل دقائق؟
الرائد د. عدي الفواعير
16-10-2026 03:34 PM
من الذاكرة البشرية إلى الركن المعنوي للجريمة وعلم الإجرام والعقاب.
هل شعرت يوماً بالتعجب من قدرتك على تذكّر تفاصيل دقيقة من ايام طفولتك ، بينما تعجز علو ان تتذكّر اسم شخص التقيت فيه قبل دقائق أو تسئل نفسك وين وضعت هاتفك أو مفاتيحك ؟
هذا التناقض يكشف جانب مثير من طبيعة الذاكرة البشرية. فالعقل لا يحتفظ بكل ما تراه العين أو تسمعه الأذن بالطريقة نفسها، بل ينتقي المعلومات ويعالجها ويخزّن بعضها ويترك بعضها الآخر يتلاشى.
وتشير تقديرات شائعة إلى أن سعة الذاكرة البشرية قد تعادل نحو 2.5 مليون جيجابايت، وهي سعة تُشبَّه بالقدرة على تخزين مئات السنين من الفيديو. لكن هذه المقارنة تبقى تقديرية، لأن الدماغ لا يعمل كجهاز تخزين رقمي، بل يعتمد على عمليات معقدة من الانتباه والتعلّم واسترجاع المعلومات.
ولا تقتصر أهمية فهم الذاكرة على علم النفس والأعصاب، بل تمتد إلى العدالة الجنائية. فالقانون يهتم بعلم الجاني وإرادته وطبيعة سلوكه، بينما يسعى علم الإجرام إلى تفسير العوامل المؤثرة في السلوك الشخص المخالف للقانون، ويبحث علم العقاب في الجزاء المناسب وأهدافه.
ومن هنا تنشأ علاقة تستحق التأمل بين طريقة آليه عمل العقل وفهم المسؤولية الجنائية.
اولاً : الذاكرة الحسية.. عندما تمر المعلومات دون أن تستقر.
تستقبل الحواس قدر هائل من المؤثرات خلال اليوم، لكن ليس كل ما نراه أو نسمعه يصل إلى وعينا أو يتحول إلى ذكرى نستطيع ان نسترجعها لاحقاً ، فالذاكرة الحسية تحتفظ بالأثر الحسي لفترة وجيزة جداً ،ثم تتلاشى بعض المعلومات أو تنتقل إلى مراحل أخرى من المعالجة بحسب الانتباه وطبيعة المؤثر.
وهنا نستنتج سؤال قانوني مهم. هل يكفي أن يتعرض الشخص لمعلومة حتى يُقال إنه علم بها؟ إن مجرد وصول المؤثر إلى الحواس لا يعني بالضرورة إدراك مضمونه إدراكاً واعياً. ومع ذلك فإن عدم الانتباه لا يؤدي تلقائياً إلى انتفاء القصد الجنائي، بل يجب التحقق من عناصر الجريمة والظروف المحيطة بها والأدلة المتوافرة.
وفي علم الإجرام يمكن دراسة أثر المفاجأة والضغط النفسي والظروف المحيطة في اتخاذ القرار. فقد يتصرف الإنسان في موقف سريع دون تفكير متأنٍ، لكن الاندفاع وحده لا يعني انعدام الإدراك أو انتفاء المسؤولية. أما أثر هذه الظروف في العقوبة فيتوقف على ثبوتها ومدى أهميتها وفقًا للقانون.
ثانياً : الذاكرة قصيرة الأجل.. حين يضيع الانتباه.
تحتفظ الذاكرة قصيرة الأجل بالمعلومات لفترة محدودة، بينما تساعد الذاكرة العاملة على التعامل معها واستخدامها في أداء المهام واتخاذ القرارات. وقد يضعف الاحتفاظ بالمعلومات عندما يتشتت الانتباه أو تتداخل المهام، وهو ما يفسر نسيان بعض التفاصيل أثناء القيادة أو العمل أو الحديث.
وتظهر هنا العلاقة بين الذاكرة والخطأ غير العمدي. فقد يقود الشخص سيارته بإرادة واعية، لكنه يغفل عن إشارة مرورية أو لا ينتبه إلى خطر كان ينبغي له ملاحظته.
وفي هذه الحالة يجب التمييز بين إرادة السلوك وإرادة النتيجة. فعدم قصد النتيجة الضارة لا ينفي بالضرورة المسؤولية الجنائية، إذ قد تقوم المسؤولية عن الخطأ أو الإهمال متى توافرت شروطها القانونية.
ولا يكفي النسيان وحده لإثبات الإهمال أو نفي القصد، لأن التكييف القانوني يتوقف على طبيعة الفعل والواجب الذي كان ينبغي مراعاته والظروف والأدلة المحيطة بالواقعة.
ومن منظور علم الإجرام تساعد دراسة الإرهاق وتشتت الانتباه والضغط النفسي وضعف التدريب على فهم أسباب بعض السلوكيات الخطرة والوقاية منها. أما علم العقاب فيؤكد أهمية التناسب بين الجريمة والجزاء، وقد تكون التدابير التأهيلية أو العقوبات البديلة مناسبة في الحالات التي يسمح بها القانون، دون أن يعني ذلك أن كل جريمة غير عمدية تستوجب بالضرورة جزاءً مخففاً أو بديلاً.
ثالثاً: الذاكرة طويلة الأجل.. بين المعرفة السابقة والقصد الجنائي
تتيح الذاكرة طويلة الأجل الاحتفاظ بالمعلومات والخبرات لسنوات أو عقود. وقد تترسخ بعض المعلومات نتيجة التكرار أو ارتباطها بتجارب ذات أهمية عاطفية أو عملية، لكن الذاكرة ليست سجل معصوم من الخطأ، إذ قد تتغير التفاصيل أو يصعب استرجاعها مع مرور الزمن.
وتكتسب المعرفة السابقة أهمية في التحليل الجنائي عندما تتعلق بعلم الشخص بطبيعة فعله أو بالظروف المحيطة به. فقد تكشف بعض الوقائع عن معرفة مسبقة أو تحضير متعمد أو خطوات اتخذها الشخص لتحقيق نتيجة معينة. لكن مجرد استقرار معلومة في الذاكرة لا يثبت وحده توافر القصد الجنائي.
فالعلم يتعلق بإدراك العناصر والظروف التي يتطلبها النص القانوني، أما الإرادة فتتصل باتجاه إرادة الجاني إلى السلوك أو النتيجة بحسب طبيعة الجريمة. وتُستخلص هذه العناصر من الأدلة والقرائن، لا من افتراضات حول ما يحتفظ به العقل.
ويظهر ذلك عند بحث سبق الإصرار في الجرائم التي يتطلب القانون فيها هذا الظرف. فسبق الإصرار لا يثبت لمجرد أن فكرة الجريمة استقرت في ذهن الشخص، وإنما يتطلب التحقق من شروطه القانونية في ضوء الوقائع والأدلة.
وفي علم الإجرام يمكن دراسة تكرار السلوك المخالف للقانون والعوامل الاجتماعية والنفسية التي قد تسهم في استمراره، دون افتراض أن الذاكرة طويلة الأجل تجعل الإنسان مجرمًا معتادًا أو أن السلوك الإجرامي ينتج بالضرورة عن نمط عصبي ثابت.
أما علم العقاب فيوازن بين الردع وحماية المجتمع وإصلاح المحكوم عليه وإعادة إدماجه. وقد تتطلب بعض الحالات برامج تأهيلية متخصصة، لكن تقدير العقوبة يظل خاضعًا للقانون وجسامة الفعل والظروف الثابتة في الدعوى، وليس لمجرد افتراض الخطورة الإجرامية.
خلاصة عقلانية.. بين ما يتذكره العقل وما يثبته القانون .
إن قدرة الدماغ على الاحتفاظ بكم هائل من المعلومات لا تعني أنه يسجل كل ما يحدث حولنا أو يسترجعه بدقة في كل لحظة. فالذاكرة تتأثر بالانتباه والتعلم والظروف النفسية، وقد ينسى الإنسان أمر بسيط رغم قدرته على تذكّر أحداث بعيدة من حياته.
لكن الانتقال من تفسير الذاكرة إلى تحديد المسؤولية الجنائية يحتاج إلى دقة. فالسهو لا ينفي القصد تلقائياً، والنسيان لا يثبت الخطأ وحده، واستقرار المعرفة في الذاكرة لا يثبت سبق الإصرار. إنما تتحدد المسؤولية من خلال عناصر الجريمة التي يقررها القانون والأدلة التي تكشف عن علم المتهم وإرادته وطبيعة سلوكه.
وهنا تتكامل العلوم. فعلم النفس والأعصاب يساعدان على فهم الذاكرة والانتباه، وعلم الإجرام يدرس العوامل المؤثرة في السلوك المخالف للقانون، بينما يحدد القانون شروط المسؤولية والجزاء، ويبحث علم العقاب في تحقيق أهداف العقوبة ضمن حدود الشرعية والتناسب.
فالعدالة الجنائية لا تقوم على افتراض ما يدور في ذهن الإنسان، بل على إثبات ما يتطلبه القانون من عناصر الجريمة. وبين ما يتذكره العقل وما يستطيع الدليل إثباته تبقى الحقيقة الأهم أن فهم الإنسان يساعد على تحقيق عدالة أدق، لكنه لا يحل محل النص القانوني ولا يغني عن التحقق من الوقائع.