ماذا لو فرضت مسيّرة بآلاف الدولارات قوةً قاهرة بالمليارات؟
أ.د. عبدالله سرور الزعبي
16-10-2026 06:19 PM
ليست أخطر الأزمات تلك التي يرتفع فيها سعر النفط، بل تلك التي يكتشف فيها العالم أن النفط الذي اعتاد شراءه لم يعد متاحًا، وأن الأسواق التي ظنّها مستقرة لم تكن سوى منظومة مترابطة تخفي هشاشة استراتيجية هائلة. فماذا لو أعلنت واحدة من كبرى الدول المصدّرة "القوة القاهرة"، وأبلغت العالم أنها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها؟ هل نكون أمام اضطراب عابر، أم أمام لحظة مفصلية تنقل العالم من اقتصاد الاعتماد المتبادل إلى اقتصاد الصراع على الموارد، ومن جغرافيا التجارة إلى جغرافيا البقاء؟
القوة القاهرة قانونيًا ليست إعلان حرب، بل آلية تلجأ إليها الجهات المصدّرة حين تحول ظروف استثنائية خارجة عن سيطرتها دون تنفيذ العقود. غير أن الخطر يكمن في اتساعها: أن تتعطل منشآت عدة دول معًا، فيتحول الاستثناء القانوني إلى صدمة استراتيجية. فالنفط ليس سلعة تُباع وتُشحن، بل منظومة قوة تتشابك فيها الحقول والموانئ والأنابيب والناقلات والمضائق والتأمين والتمويل. وقد مرّ عبر مضيق هرمز عام 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، بينما تظل طاقة الأنابيب البديلة محدودة. وحين تجتمع أزمة الإنتاج مع أزمة النقل والتأمين، يفقد العالم ما هو أثمن من البرميل: القدرة على التنبؤ بموعد وصوله وكلفته.
ولنقرّب الصورة بالأرقام: يستهلك العالم أكثر من 100 مليون برميل يوميًا، ونقص بنسبة 10% فقط يعني غياب نحو 10 ملايين برميل كل يوم، أي قرابة 3.65 مليار برميل في سنة، وهو ما يعادل نصف التدفقات التي تمر من مضيق هرمز. والطلب على النفط قليل المرونة في المدى القصير، فيرتفع السعر بحدّة حتى يُقصي جزءًا من الطلب. وقد أسقط حظر 1973 نحو 5% من الإمدادات فتضاعف السعر أربع مرات، وأزالت ثورة 1979 قرابة 4% فتضاعف تقريبًا؛ فكيف بنقص يبلغ ضعف ذلك أو أكثر؟ والمخزونات الاستراتيجية تكفي لأشهر فقط، ثم يبدأ الاقتصاد الحقيقي بدفع الثمن: شحن وغذاء وأسمدة وبلاستيك أغلى، ونمو عالمي يتباطأ حتى الركود، وموازنات الدول المستوردة تختنق بين فاتورة متضخمة وإيرادات متراجعة، وقد تتصاعد الاضطرابات الاجتماعية في الدول التي لا تملك هامشًا ماليًا لدعم المواطنين. وستكون الاقتصادات الناشئة والفقيرة أول الضحايا، لأنها تدفع بالدولار وتملك أقل المخزونات.
والأسواق لا تنتظر توقف آخر ناقلة، فالسعر يعكس توقعات الغد قبل كميات اليوم، وتتسع الفجوة بين الأسعار الآجلة والفورية. والأثر متفاوت: مصدّر عاجز عن تحميل ناقلاته لا ينفعه ارتفاع السعر، ومستورد بلا احتياطي نقدي يتسرّب إليه التضخم من الوقود إلى الغذاء. وبحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية لتشرين الأول 2026، تواجه الأسواق فعلًا هجمات على بنى الطاقة، وارتفاعًا في كلف الشحن، وتراجعًا في المخزونات، وضغوطًا شديدة على الديزل، فيما يربط التصعيد الإقليمي أمن الطاقة بأمن الممرات.
هنا ينتقل التحليل من الاقتصاد إلى الاستراتيجية، وتبرز أسئلة لا يجوز تجاهلها. كيف لجماعة غير نظامية كالحوثيين أن تصل إلى منشآت الطاقة السعودية؟ هذا يتطلب قدرات ملاحية ومعلوماتية وتقنية لا تنتجها الجبال وحدها: مسيّرات وصواريخ جوالة بعيدة المدى، وبيانات استهداف دقيقة، ومنظومات توجيه، وسلاسل إمداد لمكوّناتها، وخبرة في التجميع والإطلاق. وقد كانت هجمات بقيق عام 2019 إنذارًا مبكرًا بأن منشأة تحمل جزءًا من إمدادات العالم يمكن شلّها بأسلحة رخيصة نسبيًا. لكن الإجابة الأولية لا تكفي: من أين تأتي المكوّنات التجارية الدقيقة؟ ومن يموّل ويدرّب ويوفّر الاستخبارات؟ وهل نحن أمام وكيل يتصرف بإرادته، أم ذراع في منظومة أكبر؟
ولماذا تُستهدف طاقة السعودية بالذات؟ لأنها تجمع ما لا يجتمع لغيرها: فهي من أكبر مصدّري النفط في العالم، وتملك أكبر طاقة إنتاجية فائضة تجعلها صمّام الأمان للسوق عند كل أزمة، وتتركز إمداداتها في منشآت محدودة، ويمرّ جزء كبير من صادراتها عبر ممرات ضيقة؛ فإصابة عقدة واحدة فيها لا تعني خسارة منتج، بل ارتجاج السوق كله، فضلًا عن ثقلها المالي والسياسي في المنطقة. وتزداد الدلالة حين يتزامن استهداف الطاقة السعودية مع استهداف البنية الطاقوية الروسية من مصافٍ وموانئ تصدير.
فالتزامن يطرح فرضيات يجب فحصها بمنهج بارد لا بمنطق المؤامرة: أهي مصادفة في ساحتين منفصلتين؟ أم انتشار لتقنية المسيّرات الرخيصة في متناول دول وجماعات؟ أم أن ثمة من يرى مصلحة في رفع كلفة الطاقة على الجميع وإضعاف المصدّرين الكبار معًا؟ والموقف الرصين أن نفرّق بين "من المستفيد؟" و"من الفاعل؟"، فالاستفادة لا تثبت الفعل. لكن ما يُقال بثقة أن تقنيات التعطيل الرخيصة ألغت التفوق التقليدي للدول الكبرى، وأن فاعلًا صغيرًا يستطيع فرض كلفة هائلة على اقتصاد قائم على نقاط اختناق قليلة، سواء كان خلفه راعٍ واحد أم أكثر.
ومن يقف خلف أزمات الطاقة؟ ليس كل اضطراب مؤامرة، وليس كل اضطراب بريئًا من الحسابات الاستراتيجية؛ فهناك من ينتج الأزمة، ومن يستثمر فيها، ومن يحوّلها إلى نفوذ، ومن يتحمل كلفتها دون أن يصنعها، والخلط بين هذه الأدوار يحجب الآليات الحقيقية. ويمكن قراءة المشهد عبر خمسة مستويات: صراع جيوسياسي وعسكري يمتد أثره من الكميات المفقودة إلى ثقة المستثمرين وكلفة التأمين، على أن تستند نسبة المسؤولية إلى أدلة لا إلى افتراض أن كل مستفيد صانع؛ واستخدام الطاقة أداة ضغط عبر العقوبات وقيود التصدير وقرارات الإنتاج، فتتحول السوق إلى ساحة تنافس؛ وبنية تنافسية للسوق، إذ تحدد الطاقة الفائضة والمخزونات وطبيعة العقود مدى المرونة، ولا يُعدّ كل خفض للإنتاج مؤامرة، لكنه قد يصبح جيوسياسيًا بتوقيته وحجمه؛ وأسواق مالية وسلاسل نقل وتأمين، حيث قد يكون النفط متوافرًا عند المصدر ومتعذرًا عند المستهلك، ويربح الوسطاء من التقلب، لكن الربح لا يثبت التسبب، ولا بد من التمييز بين المضاربة المشروعة والتلاعب المثبت والربح من ندرة حقيقية؛ وأخيرًا، وهو الأعمق، هشاشة نظام بُني على دوام التدفقات، فقلّص التخزين وفضّل الكفاءة الآنية على المرونة. فلا يكفي أن نسأل: من يستفيد؟ بل: من يملك القدرة على إحداث التعطيل؟ ومن يملك القدرة على استغلاله؟ ومن بنى اقتصاده عاجزًا عن مقاومته؟ فإجابات هذه الأسئلة تكشف خريطة القوة الحقيقية.
وقد لا توجد جهة واحدة تدفع العالم نحو التضخم، فالأزمات الكبرى تنشأ من تراكب ديون سيادية مرتفعة، وعقوبات متبادلة، وتفكك سلاسل الإمداد، وسباق تسلح، وتراجع الثقة بين القوى الكبرى، لكن النتيجة قد تبدو كأن مخططًا واحدًا صمّمها. وتقف البنوك المركزية أمام معضلة قاتلة: رفع الفائدة يخنق النمو والدين، وخفضها يطلق التضخم؛ وتختار الحكومات بين دعم يستنزف الموازنة وتمرير يشعل الشارع. وهنا يتجسد تحذير هايمان مينسكي: الاستقرار الطويل الظاهري يراكم هشاشة خفية، ثم تكشفها صدمة واحدة.
فهل نعيد ثلاثينيات القرن الماضي؟ كانت تلك أزمة انكماش وإفلاس مصارف، بينما قد تكون أزمتنا أقرب إلى ركود تضخمي كسبعينيات القرن الماضي. لكن التشابه الأخطر سياسي: فبعد 1929 جاء الانغلاق التجاري والرسوم الجمركية وانهيار التعاون النقدي وتشكّل الكتل المتصارعة وصعود خطاب البحث عن عدو. واليوم ديون غير مسبوقة، وسلاح نووي، وتنافس مفتوح بين قوى كبرى، ومؤسسات ضبط تتراجع، ولم تعد أدوات 2008 و2020 متاحة بالسهولة نفسها، إذ يقيّد التضخم البنوك المركزية ويقيّد الدين الحكومات. فهل تتعاون القوى الكبرى لإنقاذ النظام، أم تنقذ كل منها نفسها على حساب الباقين؟
والسؤال اليوم: ماذا لو أعلن أحد كبار المصدّرين أو أكثر القوة القاهرة معًا؟ عندها ستكون الصدمة مزدوجة: نقص في الإمدادات وغياب يقين بموعد عودتها، وقد تفوق الصدمة النفسية واللوجستية النقص الفعلي في مرحلته الأولى. وستتنافس الدول على النفوذ في مناطق الإنتاج وعلى الممرات والتحالفات والتخزين، ويتسع الانقسام بين دول تشتري أمنها الطاقي بالمال وأخرى لا تستطيع، فتتحول الأزمة إلى أزمة عدالة دولية: الأقل صنعًا للصراع هو الأكثر دفعًا لكلفته. والرابحون غير مضمونين: فالمنتج المستمر في التصدير لا يعوّضه السعر عن تعطل الموانئ ولا عن الركود الذي يضرب الطلب، والمنتج خارج مناطق الاضطراب تحدّه نوعية الخام وطاقته الفائضة وملاءمة المصافي، وقد تربح شركات الطاقة والنقل بينما تتضرر شركات الطيران والصناعة والبتروكيماويات.
وهنا المفارقة الاستراتيجية: قد تنجح أداة الضغط في تدمير نفوذ من يستخدمها. فتقييد الإمدادات يحقق مكاسب آنية، لكنه يدفع المستهدفين إلى التخلص من الاعتماد عليه عبر البدائل والكفاءة وكهربة النقل والتخزين والطاقة النووية، فالقوة القائمة على حاجة الآخرين لا تدوم إذا قلّلوا حاجتهم. ومع ذلك لا ينبغي المبالغة في سرعة التحول، فالنفط سيبقى مهمًا لسنوات؛ والاستشراف الواقعي ليس عالمًا بلا نفط، بل عالمًا يتنافس فيه الجميع على ضمان استمرار الطاقة، ويدرك أن أمنها بالتكنولوجيا والتنوع والمرونة والمؤسسات القادرة على القرار تحت الضغط.
وإذا اتسعت الأزمة فلن نعود إلى ما كان: عصر تُقاس فيه قوة الدولة بقدرتها على الصمود، وتصبح المخزونات والممرات والتحالفات أصولًا سيادية كالجيوش، وتنقسم الخريطة إلى كتل طاقوية، ويتراجع الخليج من محطة وقود العالم إلى ساحة اختبار لأمنه، ما لم يبنِ بدائل لممراته ومظلة أمنية جماعية. وكما وُلد نظام بريتون وودز من رماد الكارثة، قد تولّد الصدمة اتفاقات لحماية الممرات وتنسيق المخزونات. لكن يبقى السؤال: كيف يمكن التنبؤ بميليشيات تسكن الجبال الوعرة والسيطرة عليها، وقد تعلّمت من استراتيجية طالبان في إرباك أقوى دول العالم؟ فالخيار ليس بين الأزمة والاستقرار، بل بين أزمة تُدار بالتعاون وأخرى تُدار بالصدام.
وبالنسبة للأردن، تتجاوز المخاطر ارتفاع أسعار المشتقات إلى ضغط مركّب إذا تزامن اضطراب النفط مع أزمة غاز أو غذاء أو تجارة إقليمية. ولا يتحكم الأردن في قرارات المنتجين ولا في صراعات الممرات، لكنه يتحكم بدرجة معتبرة في انكشافه على نتائجها، والمطلوب ألا تتحول الأزمة إلى شلل داخلي. وذلك عبر خمسة مسارات: الانتقال من تأمين احتياجات الطاقة إلى تأمين استمرارية الدولة، بتحديد القطاعات التي لا يجوز أن تتوقف (مستشفيات ومياه واتصالات ونقل وغذاء) وحساب احتياجاتها وبدائلها القابلة للتشغيل فعلًا؛ واختبار المخزون الاستراتيجي وسلاسل التوريد وسعة التخزين وتعدد المسارات؛ وتسريع الطاقة المتجددة والتخزين والكفاءة مع معالجة تحديات الشبكة لا الاكتفاء بالقدرة على الورق؛ واعتماد سياسة مالية مضادة للصدمات بدعم موجّه ومؤقت بدل دعم عام يستنزف الموارد؛ وتحويل أمن الطاقة إلى ملف حوكمة ومساءلة بسيناريوهات معلنة ومؤشرات أداء ومسؤوليات واضحة. وهنا تبرز الرؤية الملكية في تعزيز أمن الأردن وصموده، وهي تحتاج إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس والمراجعة. وإذا كانت الندرة قيدًا جغرافيًا، فالمعرفة قادرة على تحويلها إلى فرصة، بالانتقال من شراء التكنولوجيا إلى تطوير حلول محلية، فيصبح الأردن أقدر على امتصاص الصدمات، ثم على إنتاج المعرفة التي تساعده على امتصاصها.
ويبقى السؤال الذي يسبق الأزمة: ماذا لو أعلنت أكبر الدول المصدّرة القوة القاهرة غدًا؟ ربما تتدخل المخزونات وتُفتح مسارات وتنجح الدبلوماسية، وربما تتداخل الأزمات فيصبح التعافي أبطأ وأعلى كلفة. لا أحد يجزم بمسار، لكن الاعتماد على حسن الحظ ليس استراتيجية. أما من يقف خلف أزمات الطاقة فليس اسمًا واحدًا ولا عاصمة واحدة: صراعات تصنع الاضطراب، وقرارات تجعل الإمدادات أداة ضغط، وأسواق تضخّم الخوف، ومصالح تستثمر في التقلب، ومنظومات تترك هشاشتها تتراكم. ولعل السؤال الذي يشغل الأردن: ماذا لو تكرر الانقطاع وتزامن مع انقطاع الغاز ونقص في الغذاء والتمويل؟ هل نملك منظومة قادرة على الصمود، أم ننتظر وقوع الأزمة لنبحث عن حلولها؟ ذلك هو الفارق بين دولة تدير أزماتها ودولة تستعد لمستقبلها، وبين السيادة شعارًا والسيادة قدرةً اقتصادية ومؤسسية على القرار حين يحاول العالم أن يفرض عليك كلفته وشروطه. فالدول الصغيرة جغرافيًا ليست محكومة بأن تكون صغيرة استراتيجيًا، والدول الغنية بالموارد ليست محصنة من الضعف.