facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




طلال أبو غزالة… من الفكر الوحدوي إلى الفكر التعاوني العربي


م. وائل سامي السماعين
18-10-2026 06:02 PM

كم جيلًا عربيًا يجب أن ينتظر حتى تتحول الوعود الكبرى إلى حياة أفضل؟ وكم مرة علينا أن نعيد الشعارات ذاتها قبل أن نملك شجاعة مراجعتها؟ لقد حان الوقت لنسأل عمّا حققته الأفكار التي حكمت وعينا، وأن نحاسبها بقدر ما وعدت به شعوبنا.

من هنا تأتي أهمية ما طرحه الدكتور طلال أبو غزالة في حديثه مع الإعلامي محمد الخالدي، خلال زيارته له في مكتبه ضمن برنامج «نبض البلد». ويمكن تلخيص جوهر طرحه بالانتقال من الفكر الوحدوي بصيغته التقليدية إلى فكر تعاوني يقوم على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي بين البلدان العربية.

وفي حديثه، تساءل أبو غزالة عن إمكانية قيام وحدة بين دولة عربية نفطية غنية لا تعتمد على الضرائب لتمويل خزينتها، وأخرى تشكّل الضرائب مصدرًا أساسيًا لإيراداتها. وأشار إلى عمله على مشروع فكري يعيد النظر في مفهوم الوحدة العربية، ويفتح الطريق أمام صيغة حديثة للتعاون والتكامل.

هذا السؤال يمسّ إحدى المشكلات التي تجاهلتها الخطابات الوحدوية طويلًا: كيف نجمع دولًا مختلفة في مواردها وأنظمتها وأولوياتها دون أن نحدّد قواعد الشراكة، ومسؤوليات أطرافها، وضمانات عدالتها؟ فالعاطفة القومية تستطيع أن تحشد الجماهير، لكنها لا تضع وحدها موازنة، ولا تدير اقتصادًا، ولا تحلّ خلافًا على توزيع الموارد.
لقد منحنا الشعارات حصانة أكثر مما منحنا المواطن حقّ مساءلتها. وحين تعثّرت التجارب، كان الأسهل البحث عن مبررات للإخفاق بدل مراجعة الفكرة وطريقة تطبيقها. وهكذا بقي الحلم فوق النقد، وبقي الإنسان يدفع ثمن المسافة بين الوعود والواقع.

نعم، أخفقت تجارب وحدوية عربية عديدة، وعجزت مشاريع رفعت راية القومية عن تحقيق ما وعدت به من حرية وتنمية وكرامة. والاعتراف بذلك واجب تجاه الأجيال التي ورثت الوعود ولم ترَ ثمارها. فمن حق هذه الأجيال أن تطالب بفكر يُختبر بالنتائج، وبمشروعات تُقاس بقدرتها على تحسين حياتها.

إن اللغة والتاريخ والجغرافيا المشتركة تمنحنا أرضية للتقارب، لكنها لا تعفينا من بناء مؤسسات كفؤة واقتصادات منتجة. كما أن الدين، بما يمثّله من مكوّن حضاري في مجتمعاتنا المتنوعة، لا يغني عن قواعد المواطنة والعدالة والإدارة الرشيدة. فالنهضة تحتاج إلى معرفة وعمل ومساءلة، وإلى احترام الإنسان بوصفه غايتها الأولى.

وهنا تكمن الفرصة في الفكر التعاوني: أن يتحول تنوّع البلدان العربية إلى مصدر قوة. دولة تملك رأس المال، وأخرى تمتلك الخبرات، وثالثة تتوافر فيها فرص الإنتاج أو الموارد أو الأسواق؛ فلماذا تبقى هذه القدرات متجاورة دون أن تنتظم في شراكات تُنتج قيمة وفرص عمل ومصالح مستدامة؟

لنبدأ بمشروع عربي للأمن الغذائي، وبشبكات للطاقة والنقل، وبشراكات في الصناعة والتكنولوجيا والبحث العلمي. ولنضع لكل مشروع تمويلًا معلومًا، وجدولًا زمنيًا، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات نجاح معلنة. عندها يصبح التعاون واقعًا يستطيع المواطن أن يراه ويستفيد منه ويحاسب المسؤولين عنه.

لكن التعاون نفسه قد يتحول إلى شعار جديد إذا لم تحمله مؤسسات تحترم سيادة الدول، وتضمن عدالة المنافع والالتزامات، وتحمي الاتفاقات من تقلّبات السياسة. واختلاف الاقتصادات ليس حكمًا باستحالة التقارب؛ إنه امتحان لقدرتنا على إدارة الاختلاف وتحويله إلى تكامل.

منذ نعومة أظفاري، وأنا أرى أن إحدى أبرز نقاط الضعف في عالمنا العربي تكمن في الانغلاق الفكري، والخوف من تجديد الأفكار، والتمسك بموروثات وشعارات لم تعد قادرة على مواكبة تحولات العصر. ولعل أخطر ما واجه الفكر العربي هو تردد كثير من المفكرين وأصحاب القرار في طرح أفكار جريئة، إما خشية مواجهة الشارع والجماهير العربية، أو مسايرةً للشعارات الشعبوية التي تدغدغ العواطف دون أن تقدم حلولًا واقعية. وهكذا أصبحنا، في كثير من الأحيان، أسرى أفكار نخشى مراجعتها، وشعارات نخشى تجاوزها، حتى وصلنا إلى حالة من التراجع والجمود الفكري، انعكست على واقعنا السياسي والاقتصادي والتنموي، رغم ما تمتلكه الأمة العربية من ثروات هائلة وطاقات بشرية وعقول قادرة على صناعة نهضة حقيقية.

إن الأمة العربية لا تعاني من فقر الإمكانيات بقدر ما تعاني من فقر التجديد الفكري والجرأة على التغيير. وهي اليوم أحوج ما تكون إلى مفكرين يمتلكون شجاعة كسر القوالب التقليدية، وفتح الأسئلة التي أُغلقت طويلًا، وتقديم بدائل قابلة للحياة. ومن هنا تأتي أهمية ما يطرحه الدكتور طلال أبو غزالة، ليس باعتباره مجرد نقد للفكر الوحدوي التقليدي، بل محاولة لفتح الباب أمام فكر تعاوني عربي جديد، يستحق أن يتحول من رؤية فكرية إلى مشروع عملي قابل للدراسة والنقاش والتطوير.


فهل يضع طلال أبو غزالة مدماكًا لفكر عربي مستنير، يُخرج التعاون من قاعات الحديث إلى ميادين العمل؟ وهل نملك نحن شجاعة استقبال فكرة جديدة، بعد أن استهلكنا عقودًا في الدفاع عن أفكار لم تفِ بوعودها؟

لقد انتظرنا الشعوب العربية طويلًا. ومن حقها اليوم أن ترى حصاد الأفكار في حياتها؛ فالجيل القادم يستحق أن يرث فرصًا، وقد ورثنا نحن ما يكفي من الشعارات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :