ما الذي يحدث لنا؟
العين الدكتور أمجد الجميعان
22-10-2026 07:11 PM
قد نكون آخر من يعلم بما يؤلم أبناءنا
قد نخسر قرب أبنائنا ونحن نجلس بجانبهم كل يوم؛ لا لأننا تركناهم، بل لأن انتباهنا تركهم قبلنا.
نجلس حول مائدة الطعام نفسها كل يوم، ونسكن البيت معًا، ونتبادل الكلمات والأحاديث بين الحين والآخر، ولكن للأسف، تبقى عين على من نحب وأخرى على الهاتف أو الشاشات. وهكذا، ودون أن نشعر، يتحول حضورنا إلى حضور جسدي، يقابله غياب نفسي ومعنوي حقيقي.
المشكلة ليست في الهاتف نفسه، ولا في طول مدة استعماله وحدها. فالاستخدام الصحي هو الذي يبقى تحت سيطرتنا، ولا يزاحم النوم والعمل والدراسة والعلاقات. أما الإفراط في الاستخدام فيبدأ عندما يصبح تفقد الهاتف سلوكًا تلقائيًا، ونشعر برغبة متكررة يصعب مقاومتها لمعرفة ما وصل من أخبار وأحداث ورسائل، ونجد صعوبة في الاستمرار في حديث واحد دون الانتقال إلى الشاشة بين لحظة وأخرى.
والتشتت لا يقتصر على ضعف التركيز، بل يشمل أيضًا التنقل المستمر للانتباه بين الإنسان والهاتف، والبقاء في حالة من الانتباه المجزأ؛ فنلتقط الكلمات، لكن قد تفوتنا نبرة الصوت، وتعبيرات الوجه، والتردد، والصمت، والمشاعر التي تحمل غالبًا أكثر مما تحمله الجملة نفسها. ومع التكرار، قد يتعلم الطرف المقابل، وخصوصًا الطفل، أن يختصر حديثه أو يحتفظ بما يشعر به لنفسه؛ ليس بالضرورة لأنه لا يريد الكلام، بل لأنه لا يشعر أن هناك انتباهًا كاملًا ينتظره.
تخيلوا طفلًا يعود من المدرسة متحمسًا ليخبر والده بما حدث، فيجيبه الأب وهو يتصفح هاتفه: «أنا أسمعك، أكمل!». قد يكون الأب قد سمع الطفل فعلًا، لكن الطفل يحتاج أحيانًا إلى أكثر من أذن تسمعه؛ يحتاج إلى وجه يلتفت إليه، وعينين وروح تقولان له: «أنا معك قلبًا وقالبًا!».
لذلك، لا تقنعوا أنفسكم بأن الحل يكمن في شن حرب على التكنولوجيا، أو حتى اتخاذها شماعة نُعلّق أخطاءنا عليها، بل في قدرتنا على اتخاذ قرار حقيقي من داخلنا باستعادة حضورنا في بيوتنا. اتفقوا على وجبة يومية بلا هواتف، ومكان توضع فيه الأجهزة قبل النوم، وعلى تخصيص نصف ساعة إلى ساعة يوميًا، على سبيل المثال، للحديث دون شاشات، والالتزام بقواعد واضحة؛ فعندما يبدأ حديث مهم مع أطفالنا، نضع الهاتف جانبًا. وإذا كان العمل ضروريًا، نقول بوضوح: «أعطني دقيقتين لأنهي ما أفعله، ثم سأستمع إليك!».
والأهم أن نبدأ نحن، كآباء وأمهات ومربين، بأنفسنا أولًا؛ فلا نطلب من أبنائنا حضورًا واهتمامًا لا يرونهما فينا.
ابدؤوا اليوم، ولا تؤجلوا عمل اليوم إلى الغد. اختاروا شخصًا تحبونه، اجلسوا مع أطفالكم، ضعوا الهاتف بعيدًا، انظروا إليهم، واسألوهم أسئلة حقيقية، ثم لا تفعلوا شيئًا سوى الاستماع. اجعلوا حضوركم صادقًا وعميقًا، لا مجرد لحظة عابرة أو اهتمام شكلي من باب رفع العتب.
فقد ننسى مئات الرسائل التي قرأناها على هواتفنا؛ ولكن أبناءنا قد يتذكرون طويلًا إن كنا نرفع أعيننا عن الشاشة عندما كانوا يحاولون الحديث إلينا.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل أب وأم على نفسيهما اليوم هو: كم مرة حاول ابني أو ابنتي أن يخبراني بشيء مهم في حياتهما، بينما كنت منشغلًا بالنظر إلى هاتفي؟