بَرْدًا وسلامًا يا أردن الحبيب .. إيران شقّت الصف العراقي، لكنها لن تشقّ صفّ الأردن!
ضياء الكواز
24-10-2026 09:04 AM
بَرْدًا وسلامًا يا أردن الحبيب، يا وطن النخوة والكرامة، يا أرضًا احتضنت المظلومين والمنكوبين، وفتحت أبوابها للضعفاء حين أغلقت الحروب أبواب الأمان في وجوههم. سلامًا على الأردن الذي بقي سندًا لأشقائه، وملاذًا لمن ضاقت بهم أوطانهم، وعنوانًا للإنسانية والتضامن العربي.
يا أردن، يريدون أن يشعلوا فيك نار الطائفية، وأن يحوّلوا الاختلاف إلى عداوة، والكنيسة إلى هدف، والمسجد إلى ساحة صراع. يريدون أن يزرعوا الشك بين أبناء الوطن الواحد، وأن يضربوا النسيج الاجتماعي الذي يشكّل أساس استقرارك. لكنهم ينسون أن الأوطان لا تسقط أمام المؤامرات ما دام شعبها واعيًا، ومجتمعها متماسكًا، وأبناؤها يدركون أن الوطن أكبر من الطائفة والمذهب والحسابات السياسية.
إيران نجحت في توسيع الانقسامات داخل العراق، لكنها لن تجد في الأردن بالضرورة البيئة نفسها التي استُغلت فيها الخلافات لتحقيق النفوذ.
لقد دفع العراق أثمانًا باهظة نتيجة الصراعات الطائفية والتدخلات الإقليمية، وتراجعت الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وتحولت الانقسامات في مراحل عديدة إلى أدوات للصراع على السلطة والنفوذ.
ويرى كثير من العراقيين أن السياسات الإيرانية والتدخلات المرتبطة بها أسهمت في تعميق هذه الانقسامات، على حساب وحدة العراق وسيادة قراره الوطني.
ومن قلب التجربة العراقية، نقول للأردنيين: لا تسمحوا لأحد أن يستنسخ جراح العراق على أرضكم، ولا تمنحوا أصحاب المشاريع الطائفية فرصة لتمزيق مجتمعكم. فما عاناه العراقيون يجب أن يكون درسًا يحمي الآخرين، لا مأساة تتكرر في بلد عربي جديد.
يا إيران، الأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا وطنًا مستباحًا لتصدير الصراعات، ولا شعبًا يمكن العبث بوحدته عبر استغلال الدين والمذهب!
إن الأردن له شعبه الواعي، ومؤسساته، وقيادته، وتاريخه في مواجهة التحديات. وأمنه وسيادته خط أحمر، لا يحق لأي قوة إقليمية أن تتجاوزه أو أن تستخدم خلافات المنطقة وسيلة للتأثير في استقراره.
إن استهداف الكنيسة، إذا ثبتت مسؤولية الإرهابيين عنه، ليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم، بل جريمة بحق الأردن كله. فالكنيسة بيت عبادة، والمسجد بيت عبادة، والاعتداء على أي منهما اعتداء على حرية الإنسان وكرامته وأمن المجتمع بأسره.
أيُّ إيمانٍ يبرر قتل الأبرياء؟ وأيُّ رسالةٍ تسمح بتحويل دور العبادة إلى أهداف للإرهاب؟ إن المتطرفين لا يريدون تدمير الحجر وحده، بل يسعون إلى تفجير الثقة بين المسلمين والمسيحيين، وإشعال نار الكراهية في قلوب أبناء الوطن الواحد. يريدون أن يتحول الجار إلى خصم، وأن تصبح العقيدة سببًا للعداء، وأن يدفع الأبرياء ثمن صراعات لا تخدم إلا أصحاب الفتن.
لكن الأردن ليس أرضًا سهلة لاختراق نسيجها الوطني. فالأردنيون يعرفون أن المسيحي شريك في الوطن، وأن المسلم والمسيحي يجمعهما الانتماء إلى الأرض والحق في الأمن والكرامة، وأن حماية الكنائس والمساجد مسؤولية الدولة والمجتمع معًا.
وهنا تبرز أهمية رعاية الملك عبد الله الثاني لجميع مكونات المجتمع الأردني، وتعزيز المواطنة والتعايش وحماية دور العبادة. فالدولة القوية هي التي يشعر فيها كل مواطن بأن حقوقه مصونة، وأن القانون يحميه دون تمييز، وأن اختلاف عقيدته لا ينتقص من مكانته أو انتمائه إلى وطنه.
لقد استقبل الأردن أعدادًا كبيرة من اللاجئين الذين دفعتهم الحروب إلى مغادرة بلدانهم، وتقاسم معهم الأردنيون أعباء اللجوء رغم التحديات الاقتصادية والمعيشية. وهذه صفحة إنسانية تؤكد أن الأردن لم يكن مجرد متفرج على مآسي المنطقة، بل تحمّل مسؤوليات كبيرة تجاه أشقائه والمحتاجين إلى الأمان.
ومن العراق، أكتب إلى الأردن الذي نحمله في القلب: إن محبتنا لهذا البلد ليست مجاملة عابرة، بل محبة شعب لشعب، وأخوة وطنية وعربية تجمعنا بالتاريخ والمصير المشترك. ونحن الذين ذقنا مرارة الانقسام، نعرف جيدًا قيمة أن يبقى الوطن موحدًا، وأن يعيش أبناؤه بعيدًا عن الكراهية والتحريض.
لا تسمحوا لأحد أن يجعل من الأردن نسخة أخرى من مآسي العراق. واجهوا الإرهاب بالقانون، والطائفية بالمواطنة، والتدخلات الخارجية بالتمسك بالسيادة والوحدة الوطنية.
ولا تجعلوا جريمة فرد أو تنظيم ذريعة لاتهام طائفة كاملة، فالمحاسبة يجب أن تطال الجناة وحدهم، والعدالة هي الطريق لحماية المجتمع من دوامة الانتقام.
يا أردن الحبيب، إن الذين يراهنون على شق صفك يخطئون حين يظنون أن الاختلاف الديني يمكن أن يهزم وحدة الوطن. فالأوطان لا يحرسها الخوف، بل يحرسها الوعي، ولا تصونها الكراهية، بل يصونها العدل والمساواة واحترام الإنسان.
بَرْدًا وسلامًا يا أردن الحبيب! ستبقى الكنائس لأجراس الصلاة، والمساجد لنداء الإيمان، وستبقى المواطنة أقوى من الطائفية، ووحدة الشعب أرسخ من مشاريع الفتنة.
من العراق، أقولها محبةً ووفاءً: احفظوا الأردن، واحموا وحدته، ولا تسمحوا لأحد أن يزرع في أرضه بذور الانقسام. فالعراق الذي أنهكته جراح الطائفية يتمنى للأردن أن يبقى آمنًا عزيزًا موحدًا، وأن يظل وطنًا يحتضن أبناءه، ويحمي ضيوفه، ويرفض أن يكون ساحة لمشاريع الآخرين.
الأردن ليس مشروع فتنة، وشعبه ليس وقودًا لصراعات الإقليم، ووحدته الوطنية ليست ورقة بيد أحد.