المياه، المياه، المياه .. رسالة ملكية تضع الأمن المائي فوق كل اعتبار
02-11-2026 07:40 PM
عمون - لم يعد الأمن المائي في الأردن ملفا قطاعيا يرتبط بتوفير المياه للمنازل أو تلبية احتياجات الزراعة والصناعة فحسب، بل بات عنوانا للأمن الوطني والسيادة والاستقرار، ومن أبرز التحديات الاستراتيجية التي تتطلب قرارات بعيدة المدى واستثمارات مستدامة، في بلد يواجه شحا مائيا متزايدا وضغوطا متنامية على موارده الطبيعية.
وفي رسالة واضحة لا تحتمل التأويل، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم في خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالته في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، ملف المياه في صدارة الأولويات الوطنية عندما أكد في الخطاب أن "المياه، المياه، المياه! أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه".
ولم يقتصر التوجيه الملكي على تأكيد أهمية القضية، بل حمل تكليفا مباشرا للحكومة بمواصلة مشاريع الأمن المائي، ووضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن، بما يضمن استدامتها ويحفظ حقوق الأجيال المقبلة، في تأكيد على أن التعامل مع التحديات المائية يجب أن ينتقل من المعالجات الآنية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
ويكتسب هذا التوجيه أهمية استثنائية في ظل الظروف المائية التي يعيشها الأردن، الذي يعد من أكثر دول العالم فقرا بالمياه، إذ تتراجع حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة إلى مستويات تقل كثيرا عن خط الفقر المائي المطلق، فيما تتزايد الضغوط على مصادر المياه الجوفية والسطحية بفعل النمو السكاني والتغير المناخي وارتفاع الطلب على المياه.
وقال وزير المياه والري الأسبق الدكتور حازم الناصر إن جلالة الملك شدد على أن الأمن المائي أولوية وطنية، إذ قال "المياه، المياه، المياه، ! .. أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف، فلا مجال للمساومة أو المهادنة فيه".
وأضاف سبق لجلالة الملك أن شدد خلال كلمته في الأمم المتحدة الشهر الماضي على أهمية أمننا المائي على حدود الأردن الشمالية، وها هو اليوم وفي خطابه السامي يشدد على الأمن المائي وتنفيذ المشاريع الوطنية مع ضرورة المحافظة على استدامة ما هو متوفر لدينا من مياه.
وأكد أن جلالة الملك يعي تماما أن الأمن المائي جزء مهم من الأمن الوطني وأن لأمننا المائي ارتباط مع دول الجوار، وبالتالي فإن هذا الملف أمني واستراتيجي بامتياز ولا يمكن التساهل أو التسامح مع من يحاول العبث فيه، لأن الأردن قادرا على المحافظة على حقوقه المائية وحمايتها مهما كلف الثمن، وأن الأمن المائي سيتحقق ومهما كانت التكلفة والدليل مشروع الناقل الوطني الذي سيبدأ العمل به قريبا وسيحقق أمنا مائيا لسنوات طويلة مقبلة.
وأشار إلى أن جلالة الملك يؤكد أن الأمن المائي أولوية وطنية وركيزة أساسية لاستدامة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا يقتصر تحقيقه على توفير مصادر إضافية للمياه، بل يتطلب إدارة متكاملة تجمع بين موثوقية التزويد، وكفاءة الاستخدام، وحماية الموارد المتاحة، بما يلبي احتياجات المجتمع والقطاعات الإنتاجية ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.
بدورها قالت خبيرة ودبلوماسية المياه المهندسة ميسون الزعبي، إن تأكيدات جلالة الملك عبدالله الثاني بشأن المياه في خطاب العرش السامي أمام مجلس الأمة لم تكن مجرد إشارة إلى أحد التحديات الخدمية والتنموية التي تواجه الأردن، بل حملت رسالة سياسية واستراتيجية عميقة، تعكس حجم التحدي المائي الذي تعيشه المملكة، وتضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية، باعتباره جزءا لا يتجزأ من أمن الدولة وسيادتها واستقرارها ومستقبل أجيالها.
وأضافت إنه حين أكد جلالته أن "أمننا المائي أولوية وطنية"، كان واضحا أن الحديث يتجاوز مسألة توفير احتياجات المواطنين اليومية إلى التأكيد على أن حماية المياه وحقوق الأردن المائية مسؤولية وطنية وسيادية لا تقبل التأجيل أو التهاون.
وأشارت الزعبي إلى أن أهمية الرسالة الملكية لا تكمن فقط في إعادة التأكيد على أولوية المياه، وإنما في نقل النقاش حولها إلى مستوى أكثر عمقا، يتجاوز التعامل مع نقص التزويد أو البحث عن مصادر إضافية، إلى بناء مفهوم متكامل للأمن المائي يرتبط بالسيادة الوطنية، واستقلال القرار، والقدرة على مواجهة المتغيرات السياسية والمناخية والاقتصادية.
وقالت إن تأكيد جلالة الملك أنه لا مجال للمساومة أو المهادنة في الأمن المائي يحمل دلالة واضحة على أن حق الأردنيين في المياه ليس موضوعا قابلا للتنازل على حساب المصالح الوطنية، وأن حماية هذا الحق تتطلب عملا متواصلا على المستويات السياسية والدبلوماسية والفنية، إلى جانب بناء منظومة داخلية قادرة على تعزيز الاعتماد على الذات وتنويع مصادر التزويد.
من جهتها أكدت خبيرة المياه والبيئة والتغير المناخي الدكتورة غيداء أبو رمان، أن خطاب العرش، حمل رسائل استراتيجية واضحة بشأن الأمن المائي، عكست إدراكا ملكيا لحجم التحديات التي تواجه الأردن، ووضعت المياه في صلب منظومة الأمن الوطني والسيادة والاستقرار.
وقالت إن تكرار جلالته عبارة «المياه، المياه، المياه!» ثلاث مرات، وتأكيده أن "أمننا المائي أولوية وطنية"، يجسد الأهمية الاستراتيجية للمياه باعتبارها قضية وطنية لا تحتمل التأجيل أو المساومة.
وأضافت إن الخطاب حمل ثلاث رسائل رئيسية، أولها رسالة سيادية داخلية وخارجية تؤكد أن تأمين المياه جزء لا يتجزأ من استقلال القرار الوطني، وأن الأردن مطالب بتعزيز قدرته على تأمين احتياجاته بعيدا عن تقلبات الظروف السياسية والإقليمية، من خلال تنويع مصادر المياه وبناء منظومة أكثر استقلالية، أما الرسالة الثانية، فتتمثل في تحويل المياه من ملف خدمي وقطاعي إلى قضية وجودية ترتبط بأمن الدولة واستقرارها وأمنها الغذائي والاقتصادي والاجتماعي، ما يستدعي وضعها في مقدمة أولويات التخطيط الحكومي وصناعة القرار.
وبينت أن الرسالة الثالثة ذات بعد تنفيذي، تجسدت في توجيه جلالة الملك الحكومة إلى مواصلة تنفيذ مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية لحماية الموارد وضمان استدامتها وحقوق الأجيال المقبلة. وأكدت أن ترجمة هذه التوجيهات تتطلب تسريع تنفيذ مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر في العقبة، والحد من الفاقد المائي والاعتداءات على المصادر والشبكات، والتوسع في معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، إلى جانب تعزيز حصاد مياه الأمطار وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد المائية.
وشددت أبو رمان على أن مواجهة التحديات المائية، في ظل تداعيات التغير المناخي وتراجع الهطولات المطرية وتزايد فترات الجفاف، تتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستباقي، وتكامل السياسات المائية والبيئية والزراعية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ورفع كفاءة إدارة الموارد.
بترا - يوسف أبو عبدون