أمن الأردن خط أحمر .. يجب أن لا ننتظر الجريمة حتى نتحرك!
د. دانييلا القرعان
05-11-2026 05:58 PM
إن استشهاد أحد نشامى الأمن العام أثناء تأدية واجبه في حادثة الاعتداء أمام السفارة السريلانكية في عمّان، وإصابة زميله، ليس مجرد حادث أمني عابر، بل جرس إنذار يستوجب وقفة وطنية جادة لمراجعة إجراءات الوقاية والحماية، وتعزيز قدرة أجهزتنا الأمنية على مواجهة كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الأردن واستقراره.
إن دماء رجال الأمن الذين يحمون الوطن والمواطنين ليست خبراً نمر عليه ثم ننساه، بل أمانة تستوجب منّا أن نكون على مستوى تضحياتهم، وأن نعمل على سد كل ثغرة يمكن أن يستغلها أصحاب الفكر المتطرف والإجرام.
ومن هنا، لا بد من طرح سؤال مهم: هل ننتظر وقوع الجريمة وسقوط الضحايا حتى نتحرك، أم أن الواجب يفرض علينا تطوير منظومة أمنية وقائية تستبق الخطر قبل تحوله إلى جريمة؟ إن الإفراج عن شخص سبق إدانته في قضايا إرهابية أو جرائم بالغة الخطورة، لأي سبب قانوني كان، لا يعني بالضرورة أن خطورته قد زالت، كما أن انتهاء مدة المحكومية لا ينبغي أن يحول دون اتخاذ إجراءات متابعة قانونية متناسبة عندما يتوافر مؤشر جدي على استمرار الخطر، فالمطلوب ليس معاقبة الإنسان إلى الأبد على ماضيه، إنما حماية المجتمع من أي تهديد حقيقي قد يصدر عنه مستقبلاً.
ونحن بحاجة إلى منظومات رقابة أمنية وذكية تستند إلى قواعد بيانات محدثة وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة، والتقييم المستمر لمستوى الخطورة والاستفادة من وسائل التقنية الحديثة بما فيها التتبع الإلكتروني والأساور الأمنية عند الضرورة، وبقرار قضائي وضمن ضمانات قانونية واضحة، فالوقاية الأمنية ليست انتهاكاً للحقوق عندما تقوم على مبدأ القانون والضرورة والتناسب والرقابة القضائية.
في المقابل، لا يجوز أن نغفل عن آفة المخدرات التي باتت تشكل تهديداً خطيراً للأفراد والأسر والمجتمع، التي قد تتقاطع في بعض الحالات مع شبكة الجريمة المنظمة والعنف والتطرف، إن الإرهاب والمخدرات وجهان لتهديد أمني واجتماعي بالغ الخطورة، كلاهما يستوجب مضاعفة الجهد الأمني والاستخباري والوقائي، وتشديد الرقابة على شبكات الترويج والاتجار والتمويل، وعدم الاكتفاء بملاحقة النتائج بعد وقوع الأضرار.
إنّ المطلوب مراجعة شاملة لآلية التعامل مع أصحاب السوابق الخطيرة، وتطوير برامج إعادة التأهيل، ومتابعة من تثبت خطورته وفق أحكام القانون، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والقضائية حتى لا يجد المجرم ثغرة ينفذ منها للعودة إلى الإجرام وحتى لا يدفع المواطن البريء ثمن تقصير كان بالإمكان تفاديه.
لا بد أن نقول بوضوح: حقوق الإنسان لا تتعارض مع أمن المجتمع، والعدالة لا تعني التساهل مع الخطر، كما أن الحزم الأمني لا يعني تجاوز القانون، نريد دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في إجراءاتها، يقظة في رصدها، حاسمة في مواجهة كل من يهدد حياة المواطن وسلامة الوطن.
رحم الله شهيد الواجب، وأسكنه فسيح جناته، ومنّ على زميله المصاب بالشفاء العاجل، وحمى نشامى أجهزتنا الأمنية وجيشنا العربي، فهم العيون الساهرة والدرع الحامي. وحفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، في ظل الراية الهاشمية المظفرة.
خناماً. أمن الأردن ليس مجالاً للتجربة أو الانتظار، والوقاية قبل الجريمة مسؤولية لا تحتمل التأجيل.