من الإفراج إلى الوقاية: الفكر المتطرف بين الاحتواء والإصلاح وتعزيز التدابير الأمنية
د. عُدي تركي الفواعير
07-11-2026 11:06 AM
إن الحفاظ على أمن الوطن واستقراره أولوية تتقدم على جميع الأولويات ومسؤولية عظيمة تتطلب من كل أردني وأردنية ونشمي ونشمية أن ننظر إلى التحديات الأمنية بعين واعية، وأن نعمل على مواجهتها ليس فقط عند وقوعها، بل قبل ذلك من خلال فهم أسبابها والحد من آثارها. وتُعد مواجهة الفكر المتطرف والإرهابي من أبرز هذه التحديات في وقتنا الراهن، فهي لا تقتصر على ملاحقة مرتكبي الجرائم أو توقيفهم أو تنفيذ العقوبات بحقهم فقط ، وإنما تمتد إلى معالجة الفكر الذي يقف وراء هذه الأفعال، والعمل على منع استمراره أو انتقاله إلى الآخرين. فمحاربة الإرهاب لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها، بل تبدأ أيضاً بمحاربة الفكر بالفكر، ومعالجة أسبابه وتجفيف منابعه الأساسية .
ونحن إذ نعتز ونفتخر بالجهود الكبيرة التي تبذلها أجهزتنا الأمنية والجهات المعنية، وما يقوم به نشامى هذه الأجهزة من واجبات بكل كفاءة واقتدار، فإن الحديث عن تطوير بعض الإجراءات وتعزيزها يأتي من باب الحرص على هذه الجهود والبناء عليها. فطرح الأفكار والمقترحات لا يعني التقليل مما تحقق، وإنما يعكس إيماننا بأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، وأن تبادل الرأي والخبرة يسهم في الوصول إلى أفضل السبل لمواجهة الفكر المتطرف وحماية أبناء الوطن.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى مرحلة وجود أصحاب الفكر المتطرف داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، باعتبارها مرحلة مهمة جدا في عملية المواجهة والاحتواء والإصلاح. فوجود أشخاص يحملون أفكاراً متطرفة في أماكن احتجاز مشتركة قد يتيح فرصاً اكثر للتأثير الفكري المتبادل وتعزيز القناعات المتشددة فيما بينهم ، وربما نقل هذه الأفكار إلى نزلاء آخرين. ونحن ندرك الجهود التي تبذلها مديرية الأمن العام في تصنيف النزلاء وتخصيص أماكن لبعض الفئات وفق طبيعة القضايا، إلا أن خطورة هذا الفكر تستدعي مواصلة تطوير هذه الإجراءات وتعزيزها.
ومن الضروري أن يحظى هذا الجانب باهتمام خاص، من خلال دراسة إمكانية تخصيص أماكن منفصلة للأشخاص الذين تثبت خطورة أفكارهم المتطرفة، وفق تقييم فردي ومهني لكل حالة. كما يمكن تعزيز وسائل المراقبة الأمنية داخل هذه الأماكن باستخدام الكاميرات الصوتية والمرئية وفق الأطر القانونية، ومتابعة الاتصالات والتفاعلات بين النزلاء، وتنظيم حيازة الأدوات والوسائل التي قد تُستخدم في التواصل غير المصرح به، بما في ذلك الوسائل الكتابية، وفق مقتضيات الأمن والضوابط القانونية والحقوق المقررة للنزلاء. فالهدف هو منع تحول أماكن الاحتجاز إلى بيئة تساعد على ترسيخ الفكر المتطرف أو نقله إلى الآخرين.
ومع ذلك، فإن الاحتواء الأمني وحده لا يكفي، فالمطلوب أن يقترن بإصلاح فكري حقيقي يعالج جذور التطرف ويصحح المفاهيم المغلوطة التي يتبناها أصحاب هذا الفكر. فالعقوبة، مهما كانت ضرورية، لا تعالج الفكر وحدها، وإنما يحتاج الأمر إلى حوار فكري متخصص، وتوعية دينية وقانونية معتدلة، وبرامج نفسية واجتماعية تساعد على إعادة بناء القناعات وتعزيز احترام القانون وقيم المواطنة والانتماء. كما أن نجاح هذه البرامج يتطلب النظر إلى كل حالة بصورة مستقلة، ودراسة الأسباب والظروف التي دفعت الشخص إلى تبني الفكر المتطرف، ومدى تأثره بالآخرين أو تأثيره فيهم، وطبيعة الأفكار التي يحملها ومدى تمسكه بها. فليس كل من يحمل فكراً متطرفاً تتشابه ظروفه أو دوافعه مع الآخرين، ومن هنا تأتي أهمية التقييم الفردي الذي يساعد على اختيار البرامج المناسبة لكل حالة، وقياس مدى التغيير الذي تحدثه في التفكير والسلوك، ومدى ترسخ قناعة الفرد بخطورة العنف والتطرف ورفضه.
أما مرحلة ما بعد الإفراج
فهي مرحلة مهمه جدا ايضا ولا تقل اهميه عن مرحلة الاحتواء والإصلاح داخل مراكز الإصلاح والتأهيل. فالإفراج عن الشخص وانتهاء مدة محكوميته لا يعنيان بالضرورة انتهاء المخاطر المرتبطة بالفكر الذي كان يحمله. ولذلك تبرز أهمية استكمال الجهود الوقائية من خلال تقييم المخاطر ورصد أي مؤشرات تدل على العودة إلى النشاط المتطرف أو الإرهابي. ونقدر عالياً جهود الأجهزة الأمنية والاستخبارية والجهات المختصة في هذا المجال، إلا أن طبيعة هذه المرحلة تستدعي تعزيز التنسيق بينها، والنظر في إمكانية تخصيص فرق أو وحدات مختصة بمتابعة الحالات التي تشكل خطورة وفق تقييمات مهنية واضحة وبدون توقف نهائي ، ويشمل ذلك دراسة طبيعة علاقات هؤلاء الأشخاص واتصالاتهم وتحركاتهم، والأشخاص الذين يتواصلون معهم، والأماكن التي يرتادونها، ومدى وجود مؤشرات على إعادة بناء شبكات أو علاقات مرتبطة بالنشاط المتطرف. فالمتابعة الواعية والمدروسة قد تسهم في منع عودة الخطر قبل أن يتحول إلى فعل يهدد المجتمع.
كما يمكن دراسة استخدام التدابير الرقابية والتقنيات الحديثة، بما في ذلك الأساور الإلكترونية أو وسائل التتبع الإلكتروني، متى توافرت المبررات القانونية وتحققت شروط استخدامها، وبما يتناسب مع درجة الخطورة وطبيعة الحالة. ويمكن أن يسهم تقييم السلوك الإنساني والاجتماعي ومؤشرات الخطورة في تحديد طبيعة التدخل المناسب، سواء من خلال المتابعة الأمنية أو التدابير القانونية والرقابية البديلة، متى أجاز القانون ذلك. لذلك أنا أقولها قولا واحداً المصلحة العامة وحماية أمن الوطن والمجتمع هما الاهم ، فيجب اتخاذ التدابير اللازمة، ضمن إطار قانوني يوازن بين مقتضيات الأمن والحقوق والحريات الفردية.
ومن هنا تبرز أهمية الربط بين الإصلاح داخل مراكز الإصلاح والتأهيل والوقاية بعد الإفراج، فلا ينبغي أن يكون الإفراج نهاية لجهود التأهيل، وإنما انتقالاً إلى مرحلة جديدة تُستكمل فيها برامج إعادة الاندماج والمتابعة. فالمطلوب ليس مجرد أن ينهي الشخص مدة محكوميته ثم يعود إلى المجتمع، بل أن يعود وقد حصل على فرصة حقيقية لمراجعة أفكاره وتصحيح قناعاته، وأن تتوافر الضمانات والإجراءات الوقائية التي تحد من احتمالية عودته إلى السلوك المتطرف. فالإفراج الحقيقي الذي نطمح إليه هو الذي تتكامل فيه جهود الإصلاح مع التدابير الوقائية التي تحمي المجتمع. وعلينا أن ندرك أن حماية المجتمع لا تتعارض مع منح الأفراد فرصة للإصلاح، بل إن الجمع بين الحزم الأمني والاحتواء الفكري هو ما يساعد على تحقيق أمن مستدام يحمي الإنسان والوطن.
وفي هذا السياق، فإن مسؤولية حماية الوطن لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. فكل مواطن أردني يخاف على نفسه وعائلته ووطنه وترابه، ويعتز بقيادته الهاشمية الحكيمة، له دور مهم في الوقاية من الفكر المتطرف. ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الحس الأمني والوعي المجتمعي، والإبلاغ عن أي معلومات أو مؤشرات قد تسهم في حماية المجتمع ومنع وقوع الجرائم. ولا نحجب اي معلومه من الممكن ان تسهم في الحفاظ على وطننا ، فالمواطن الواعي شريك أساسي في منظومة الأمن الوطني، والتعاون مع الأجهزة المختصة والإفصاح عن المعلومات ذات الصلة مسؤولية وطنية لا ينبغي التهاون فيها.
إننا ندرك حجم التضحيات التي تقدمها أجهزتنا الأمنية والجهات المعنية ، ونستذكر بكل فخر ما فقدناه من ضباط وأفراد ومواطنين أردنيين أوفياء بذلوا أرواحهم في سبيل حماية هذا الوطن. إنهم نشامى وأبناء هذا البلد الذين نعتز بهم، وستبقى تضحياتهم حاضرة في وجداننا، شاهدة على صدق انتمائهم ووفائهم. فالإنسان هو أغلى ما نملك في هذا الوطن الغالي، وحماية حياته وصون أمنه واستقراره مسؤولية لا يمكن أن نتخلى عنها.
حفظ الله أبناء هذا الوطن وشعبه العظيم، وحفظ الله تراب هذا الوطن الطاهر، وحفظ الله قيادتنا الهاشمية الحكيمة والأسرة الهاشمية، وحفظ الله الأسرة الأردنية الواحدة، وأدام على أردننا الغالي نعمة الأمن والأمان والاستقرار في ظل قيادتنا الهاشمية الحكيمة .