معركة الوعي تبدأ من شاشة الهاتف
كامل الروضان
07-11-2026 06:17 PM
لم تعد معارك الفكر والتأثير تدور في الكتب والمنابر والمؤسسات التعليمية وحدها، بل انتقل جانب كبير منها إلى شاشة الهاتف التي أصبحت حاضرة في حياة أبنائنا وشبابنا لساعات طويلة يومياً. هناك تتشكل قناعات، وتُبنى تصورات، وتُمرر أفكار قد لا يدرك المتلقي خطورتها في البداية، لكنها تتراكم تدريجياً لتصنع تحولاً في طريقة التفكير والنظر إلى الآخرين والمجتمع.
إن أحد أخطر التحديات التي نواجهها اليوم هو التلوث الفكري، الذي لا يأتي بالضرورة على شكل أفكار متطرفة ومعلنة، بل قد يبدأ بمحتوى يحرض على الكراهية، أو يزرع ثقافة الإقصاء، أو يقدم الاختلاف باعتباره عداءً، ويخلط بين الدين والتعصب، وبين الالتزام الديني والتكفير، وصولاً إلى تبرير العنف واعتباره موقفاً مشروعاً. وهنا تكمن الخطورة؛ فالتطرف لا يبدأ دائماً بسلوك عنيف، بل قد يبدأ بفكرة مغلوطة تجد طريقها إلى عقل لم يمتلك بعد أدوات التمييز والنقد.
وتتضاعف هذه المخاطر عندما يجد الشباب أنفسهم أمام محتوى رقمي متدفق، تصنع خوارزمياته مساحات مغلقة تعيد تقديم الأفكار المتشابهة، وتمنح أحياناً المحتوى الاستفزازي والمحرض انتشاراً واسعاً. وفي ظل هذا المشهد، لا يكفي أن نحذر أبناءنا من المحتوى المتطرف، بل علينا أن نمنحهم القدرة على فهمه ومناقشته وكشف مغالطاته.
لكن السؤال الأهم: هل يمتلك الخطاب الديني والتربوي المعتدل حضوراً رقمياً يوازي حجم التحدي؟ وهل نجحنا في إيصال خطاب الاعتدال إلى الشباب بالوسائل واللغة والمنصات التي يستخدمونها يومياً؟ لا يكفي أن يكون هذا الخطاب صحيحاً في مضمونه، بل يجب أن يكون حاضراً ومؤثراً وقادراً على المنافسة في فضاء رقمي لا ينتظر أحداً.
نحن بحاجة إلى تطوير أدوات الخطاب الديني والتربوي، وتأهيل دعاة ومربين ومختصين قادرين على مخاطبة الأجيال الجديدة، وإنتاج محتوى قصير وجذاب وعميق في الوقت نفسه، يرسخ قيم التسامح وقبول الآخر واحترام الاختلاف، ويقدم الفهم الصحيح للدين بعيداً عن الغلو والتشدد. كما أن المدرسة والجامعة والأسرة مطالبة بتعزيز التفكير النقدي، حتى لا يكون الشباب مجرد متلقين لكل ما يشاهدونه.
إن حماية المجتمع من التطرف لا تتحقق بالمواجهة الأمنية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تبدأ أيضاً ببناء وعي يحصّن العقول قبل أن تستدرجها الأفكار المنحرفة. فالمعركة اليوم ليست فقط على ما يشاهده أبناؤنا في هواتفهم، بل على ما يترسخ في عقولهم من خلالها.
فإذا لم نكن حاضرين في الفضاء الرقمي بخطاب الوعي والاعتدال، فلن نترك هذا الفضاء فارغاً، بل سنتركه لمن يجيد استغلاله وتوجيهه.