facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





الاحتفال بأم كلثوم يرتجي "وحدةً" مميتةً واستيلاءً عقيماً


هشام غانم
29-02-2008 02:00 AM

في مناسبة مرور 110 أعوام على ميلاد المغنية المصريّة أم كلثوم، عرضَ تلفزيون "الجزيرة" برنامجاً وَسَمَه بوسم غريب بعض الشيء، هو "أم كلثوم...أسطورة خالدة". واستضاف البرنامج أحد "النقّاد" الفنيّين للإضاءة حول المغنية الراحلة. فقال صاحبُنا في ما قاله: "إنّ أم كلثوم وحّدت الشعوب العربيّة، التي كانت تؤوي إلى البيوت وتلتفّ حول الراديو حين إذاعة إحدى حفلاتها".والحقّ أنّ شطراً راجحاً مِن "الرأي العام العربيّ" (أي جمهور قناة "الجزيرة") يشارك "الناقدَ" المذكور زعمَه ويرى رأيَه؛ فمسألة "التوحّد" تخاطب وعياً، أو بالحريّ لا وعياً، عربيّاً غريزيّاً يجنح للوحدة ويرفعها إلى مرتبة القداسة. وقد يكون إنزالُ أم كلثوم منزلةَ الأسطورة (وهي ما هي في الوعي القوميّ)، على ما لم يتكتّم برنامج "الجزيرة" عن القول، بعضَ آيات تلك القداسة. وليست لفظة الأسطورة نافلة مِن النوافل؛ فلمّا كانت "الوحدة" تقوم مِن الدعاوة القوميّة مقامَ السند والركن المكين، ولمّا كانت الفكرة القوميّة العربيّة أقرب إلى السلوك العظاميّ المرسَل، الذي نهض عليه "قادة" و "مفكّرون" مصابون بجنون العظمة (صدام حسين مثالاً لا حصراً)؛ اقتضى ذلك نصبُ أم كلثوم أسطورةً في الملحمة القوميّة؛ فهي مرآة العهد الناصريّ الميمون.

فإذا كان عبد الناصر، ومِن ورائه "ضبّاطه الأحرار"، استولى على السلطة السياسيّة مِن طريق الانقلاب، استولت أم كلثوم على سلطة الغناء مِن طريق سلطة الناصريّين السياسيّة؛ فهي توسّلت بوسائل السلطة هذه لإضعاف وتحجيم منافسيها ومنافساتها في الغناء، ولا سيّما منيرة المهدية وفتحية أحمد. إذّاك، أمست المغنيّة الريفيّة "كوكبَ الشرق" ومنارته، فوجبَ السعيّ في حضور حفلاتها والحجّ إليها، والتصفيق الحارّ وربّما الباكي، وترديدُ الهتاف في حفلاتها على مثال عسكريّ، قد لا يبتعد كثيراً عن الهتاف لعبد الناصر، وعلى المثال نفسه.

وليست المقارنة بين أم كلثوم وبين عبد الناصر تعسّفاً أو افتعالاً؛ فوجه المقارنة بينهما ناتئ وبارز، فهما، جمعا فيما جمعا، الراديكاليّة والخلاصيّة، وهاتان طبعتا الطرفين بطابعهما. والجماعات الخلاصيّة والراديكاليّة، وفق زعمها، جوابٌ تاريخيّ، وهذا يبيح لها الاستيلاء على السلطة، والاستيلاء هذا، يجبّ ما قبله وما بعده. وعبد الناصر و"رفاقه" لم يذهبوا بخلاف هذا المذهب؛ فهم، على ما رأينا، زعموا أنّهم "قيادة" جديدة، وهذه تُحيل إلى "شرعيّة جديدة"، ويترتّب على هذا الأمر ابتداءُ صفحة جديدة مِن "التاريخ"؛ وهذا كلّه نجم عن التقاء مجموعة مِن الضبّاط الريفيّين وشبه الأميّين، خِبرتهم في السياسة لا ترقى إلى نصف باع أو ذراع، حسَبوا أنّهم يفتحون صفحة جديدة في "التاريخ"، وأنّ الصفحة هذه، تبدأ بهم ومعهم، ولا تبدأ إلّا بهم ومعهم.

وأمّا "الجواب التاريخيّ" الكلثوميّ، فظهر في سطوتها الجائحة التي وسمت حقبة الستّينات الغنائيّة بميسمها، فألغت منافساتِها ومنافسيها في الغناء، على مرّ القول. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل صار الغناء الكلثوميّ (وهو أشبه بالهذيان الصوفيّ واللاهوتيّ الذي لا يعبّر عن زمان أو مكان، ولا يندرج في سياق، في زمن، في تاريخ) مثالاً ينبغي لكلّ مغنٍّ أنْ يرتدّ على آثاره قَصَصاً، فإذا امتنع مِن الارتداد، جاز نعته بالفشل. وعلى هذا، كانت أم كلثوم أجمل عقبة في طريق تطوّر الغناء العربيّ، على ما لاحظ الملحّن كمال الطويل. وقرانُ الجمال بـ"العقبة"، وجمعُ اللفظتيْن، بعضهما إلى بعض، في سياقة واحدة، هو خُلْف (أو "تناقض"، في الرطانة العاميّة). ولا ريب في أنّ الجمال رائع، لكنْ مِن غير "عقبة"؛ فإذا حُمِلَ الجمال على "العقبة"، انقلب استيلاءً ونفياً وإقصاءً، ربّما أشدّ قسوة مِن الاستيلاء الناصريّ.

وبإزاء ذلك، كان الصعود الكلثوميّ إيذاناً باستيلاء الريف على المدينة، وإحلالِ الثانية في الأوّل. فغداة غدا "الضبّاط الأحرار" في سدّة السلطة، شرَعَ الزحفُ الريفيّ يشقّ طريقه إلى المدينة مِن غير لجام. وترتّبَ على هذا الزحف، إلغاءُ كوزموبوليتانيّة القاهرة، التي كانت قد اكتسبتها في عهد محمد علي وتعزّزت في العهد الملكيّ. وهذا حال الأنظمة والحركات الشموليّة والاستبداديّة على مدار التاريخ؛ فهي تترك بصماتها على كلّ شيء: على السياسة، الاجتماع، الاقتصاد، الثقافة، الفن...إلخ. في الأثناء، كان المجتمع المدنيّ يتقوّض شيئاً فشيئاً، حتّى كان تتويجه الأبرز في إنشاء ما سُمّي ويسمّى بـ"دولة المخابرات العربيّة"، وهذه نجم عنها الصعودُ الفظيع للحركات الأصوليّة، وهذا عود على بدء.

ولئن عدنا إلى "الناقد" إيّاه، ألفيناه أوردَ قولتَه في شأن "الوحدة" التي اجترحتها أم كلثوم، موردَ مديح وانتشاء. وهو لا يشكّ في أنّ "الجماهير" إيّاها تشاركه العقل والقول. ولكنّه يسهو عن أنّ مِن فساد الذوق وسقمه، أنْ يهزل المرءُ (أو المرأة) فيُغرق في الرثاء، وأشدّ مِن ذلك إيغالاً في رداءة الطبع وسقم الذوق أنْ يهجو مِن حيث أراد المدح.

فالقول بـ"الوحدة" على المثال الناصريّ، والصدّاميّ مِن بعده، هو نقض على فكرة الفردانيّة، وهذه مِن مترتّبات عصر الحداثة. و"الوحدة"، على المثاليْن السابقيْن، نقيض التلوّن والتعدّد والجدل. فطرفها القويّ لا يتعفّف عن القضم والضمّ مِن غير تورية أو ورع؛ فهو لا يقرّ للطرف الضعيف بالجدارة الحقوقيّة (غزو الكويت قرينة ساطعة على ذلك). وعلى رغم ذلك، هناك مَن يدافع عن "الوحدة" ويطلبها، ويندّد بمن يهجوها ويبغضها. فـ"العرب" ينكرون على اللبنانيّين جهرَهم انقساماتهم والصدوعَ بها، ويحملون الانقسامات هذه على محمل "خارجٍ" متربّص ومتسلّط. وهم ("العرب") يحسَبون أنّ "مجتمعاتهم" "الموحدّة" بقوّة السلطان وقسره (وإرهابه؟) المثالَ الذي ينبغي للبنانيّين أن يخطوا خطوَه. ولكنْ، ما هو هذا "المثال"؟ "دولة" تتولّى "السياسة" و"الثقافة" والتخطيط والريع والتوزيع والتحشيد وسَوْق "المجتمع" قطيعاً نحو استفتاءات الـ99.99%؟

hisham@3c.com.sa
(الغد)




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :