facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





"النووي"- مشروع تحرري من التبعية والتخلف


د.زهير أبو فارس
25-11-2014 02:50 PM

الخيار النووي الأردني لم يكن، ومنذ بداية الحديث عنه قبل عقد من الزمان تقريباً، ترفاً فكرياً، بل ضرورة فرضتها الحاجة الماسة، لايجاد حلول جذرية لمشكلة فاتورة الطاقة، التي أخذت بالتصاعد الفلكي، وشكلت حوالي 22%من الناتج القومي الاجمالي، وأرهقت خزينة الدولة، وانعكست سلباً على حياة المواطن ومتطلباته المعيشية. وبخاصة بعد أن أصبحت عملية توفير مصادر الطاقة الثابتة والمستقرة غير مضمونة، في منطقة متوترة ومتقلبة في أوضاعها السياسية، بل وتشكل كابوساً مرعباً للمسؤولين على كافة المستويات. وقد ازدادت هذه المشكلة حدةً في السنوات القليلة الأخيرة، متزامنة مع الانقطاعات المتكررة لامدادات الغاز المصري، بعد التفجيرات المتلاحقة لأنابيبه القادمة من سيناء، واضطر الأردن الى استخدام الوقود الثقيل عالي التكلفة، وصولاً الى وضع أصبحت معه فاتورة الطاقة لتوفير الكهرباء تشكل ما يقارب ثلث الموازنة للدولة الأردنية، وهي حالة ستؤدي، في حال استمرارها، الى تدمير الاقتصاد، وجعل مشاريع التنمية في مهب الريح، في ظروف غير ملائمة محليا ودولياً (المديونية العالية، والأزمة الاقتصادية العالمية)، في بلد يستورد 97 % من احتياجاته للطاقة.
وفي مواجهة هذا الواقع بالغ الخطورة، فقد كانت الطاقة النووية أحد الخيارات الاستراتيجية الممكنة لتوفير احتياجات الممكلة المتزايدة من الكهرباء، وبالتعاون مع الدول ذات الخبرة الواسعة في هذا المجال الحيوي، حيث تمخضت الجهود المبذولة، ومنذ سنوات، عن توقيع اتفاقية مبدئية مع الجانب الروسي، وتحديداً مع شركة "روس آ توم"، والتي كانت الأفضل من حيث الخبرة والمواصفات، والأكثر ملاءمة للمتطلبات والشروط الأردنية.
وقد كان متوقعاً، أن يواجه هذا المشروع الوطني الحيوي معارضة ومجادلات لتعطيله من جهات عديدة، وفي مقدمتها الاسرائيلية، لأسباب معروفة ومنطقية، لكن لم يكن متوقعاً البتة أن يلقى نفس المعارضة القطعية، وبهذه الحدة، من جهات أردنية(!). من هنا، وللاقتراب من الحقيقة حول هذا المشروع الوطني الاستراتيجي لابد من التطرق الى بعض الملاحظات والحقائق، ومنها:

أولاً: بداية لابد أن نؤكد على أن الاختلاف في وجهات النظر، وطرح الأفكار، وعرض المخاوف، هي ظاهرة صحية بامتياز، وتساهم في إثراء الحوار، وتلاقح الأفكار، وصولاً الى الحقيقة. وفي هذا الاطار لن يكون مقبولاً تبسيط الأمور، بل وشخصنتها، في التعامل مع هكذا قضية حيوية بأبعادها الاستراتيجية والتنموية.
ثانياً: الحقيقة الثانية تكمن في أن استقلال الارادة السياسية لأي دولة مرتبط عضوياً بالمنعة والاسستقلال الاقتصاديين، وبلادنا ليست استثناء من هذه القاعدة الراسخة، وبخاصة اننا نعيش في حالة من الصراع والصدام الدائم مع المشروع الصهيوني الذي لم ولن يتوقف عند استيلائه على فلسطين ، بل هو مستمر في استهداف الاردن لسببين:
الأول – محاولة حل مشكلته مع الفلسطينيين خارج فلسطين التاريخية، وفائضهم المتوقع داخلها على حساب الأردن؛ والثاني – توسعي، نابع عن عقيدة توارتية - صهيونية متأصلة في عقول قياداته وغالبية ساحقة من الاسرائليين.
ويقيناً أن احتداد مشكلة الطاقة في الأردن، واستمرارها دونما حلول جذرية ( فاتورة النفط تكلف الدولة 2مليار دينار سنوياً)، سيفاقم، لا محالة، من أزمتنا الاقتصادية، وبالتالي، سيكرس اعتمادنا على المساعدات واستجداء الخارج، مما يعني قطعاً فقداننا لارادتنا السياسية المستقلة، مع كل ما لهذا الواقع من تبعات وتداعيات معروفة ومتوقعة. وعلينا أن نعي حقيقة تاريخية مفادها أن هذا البلد، ومنذ تأسيس كيانه السياسي، يستمر التآمر عليه حتى لا يمتلك قدرات اقتصادية وتقنية تعزز قراره السياسي المستقل، في مواجهة التحديات والأخطار التي تتربص به وتحيطه من كل جانب، وبخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي تربطه بها علاقة عضوية متينة.
ثالثاً: إن المعارضة الاسرائيلية، وما تحشده من مواقف وتأثير وضغوطات غربية أخرى ضد المشروع النووي السلمي الأردني، ينبع من قناعتها "بخطورة" ما يمثله هذا المشروع على المديين المتوسط والبعيد، وتحديداً في مجال توطين المعرفة النووية، وإعداد جيل من المتعلمين والخبراء الأردنيين في هذا المجال، وما يرافق ذلك من ارتقاء نوعي بالكوادر البشرية والبنى التحتية ذات العلاقة. أي أن "خطره" يتمثل في كوننا سندشن بهذه الخطوة مرحلة جديدة في الوطن العربي، عنوانها العلم والمعرفة، وقاعدتها التكنولوجيا الحديثة، ومحطتها النهائية الاستقلال والاعتماد على الذات، والمساهمة على قدم المساواة مع الشعوب الحية في النهضة والبناء الحضاري، وهذا لم يكن مسموحاً في السابق، وسيبقى يواجه معارضة ومقاومة شرسة الآن وفي المستقبل، ما لم نتمسك بقوة في حقنا، انطلاقاً من ثابتة راسخة، وهي أن العالم لا يحترم الضعفاء.
رابعاً: إن احد أهم عناصر القوة الأردنية هو المكانة الخاصة والسمعة المميزة التي تتمتع بها قيادة بلدنا على الصعيد العالمي، ولدى كافة المحافل والهيئات الأممية، مما يشكل إحراجاً وعائقاً أمام التحريض والضغوطات الاسرائيلية، خاصة وأن المشروع النووي الأردني سلمي وشفاف، في بلد آمن ومستقر، ملتزم بكافة تعليمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة الى التزامه بالمعايير الدولية لتعزيز الأمن والأمان النووي.
كما أن التميز الأردني بالعنصر البشري، وما سيتمخض عنه المشروع من تدريب وتأهيل عشرات، بل مئات الخبراءالنوويين رفيعي المستوى، والتي بدأت أفواجها الأولى بالدراسة والتخرج.. كل ذلك سيؤدي الى توطين هذه الكفاءات في الوطن العربي، وعلى عاتقهم ستقع المسؤولية بالمساهمة في تشغيل المحطات النووية في بلادنا العربية، حيث بدأت دولة الامارات العربية المتحدة باستقطاب العديد منهم، والتي ستشغل محطتها النووية الأولى بحلول عام 2017، والثلاث الأخرى بحلول عام 2020، لتوفير حوالي 25% من احتياجات الدولة من الكهرباء المتزايدة بمعدل 9- 10% سنوياً. وكذا المملكة العربية السعودية التي بدأت فعلياً التحضير لانتاج الطاقة النووية، من خلال امتلاك 16 مفاعلاً نووياً بكلفة قدرها 100 مليار دولار، والتي ستغطي حوالي 20% من استهلاك المملكة من الكهرباء بحلول عام 2030 ، حيث سيتم إدخال أول مفاعلين نوويين بعد 9 سنوات، إضافة الى إنشاء مزارع شمسية متطورة "كطاقة مساهمة"، على الرغم من أن السعودية من أكبر منتجي النفط في العالم(!). وطبيعي أن تشكل مثل هذه المشاريع العربية مصدر قلق للاسرائليين أيضاً، وتدمير مفاعل العراق النووي السلمي في الثمانينات، وقتل وتهجير العلماء النوويين العراقيين، دليل على ما نزعم.
خامساً: من غير المفهوم أن تستبسل معارضتنا الداخلية (وهي وطنية بحق ويهمها مصلحة الأردن) للمشروع النووي السلمي الأردني (وهو من مفاعلات الجيل الثالث النووية الأكثر أماناً، ولا يمكن مقارنته بمفاعل فوكوشيما القديم والمصمم في ستينيات القرن الماضي والمنتمي للجيل الأول)، وفي المقابل، لا نرى حملات مشابهة، على الأقل، ضد مفاعل ديمونا القديم المتهاوي، والذي لا يبعد سوى كيلو ميترات هوائية قليلة عن بلادنا وتجمعاتنا السكانية جنوب المملكة؟! كما انه من غير المفهوم هذا الصمت في معظم الأحيان، وهذه الأصوات الخافتة في أحسن الأحوال، تجاه اتفاقية شراء الغاز الفلسطيني من اسرائيل. أو أليس في هذا انتهاكاً لأمن الطاقة الأردني، وبخاصة عندما نرهن أمننا في هذا المجال الحيوي، وبالتالي اقتصادنا ومستقبلنا، لجهة لا تزال تحتل فلسطين، ولا تخفي أطماعها في الأردن(؟!). وفي العلم الجنائي، وعندما تختلط الأمور وتتشوش الصورة حول الجريمة، يُطرح السؤال التقليدي المعروف: من المستفيد؟ وهنا، وليسمح لنا القارئ الكريم باسقاط ذلك على حالتنا في النووي الأردني: من المستفيد حقاً من اعاقة أو الغاء هذا المشروع؟ واضح تماماً أنهم أعداء الأردن والطامعين فيه أرضاً وكياناً، وفي مقدمتهم اسرائيل وقادتها الأكثر يمينية وعنصرية في تاريخ صراع الأمة معهم.
سادساً: هناك من يجادل في مسائل محددة تتعلق بالطاقة النووية، من حيث الأمن والأمان، والمكان، وتوفر المياه اللازمة، والمخاطر البيئية، والتكاليف، والجدوى الاقتصادية، والتمويل، وغيرها من الأمور الفنية والبنى التنظيمية، وهي تساؤلات ومخاوف مشروعة، ومن حق أصحابها أن يتلقوا الإجابات عليها، لكن من الخبراء والمتخصصين، بما في ذلك ممثلي الهيئات والمنظمات الدولية المسؤولة عن الطاقة النووية، التي ستبقى موجودة ومتابعة في كافة مراحل المشروع، ولن تغيب عنه لحظة واحدة، والتي لن تصرح بأي حال من الأحوال لأي منشأة نووية لا تمتثل لتعليماتها التي تضمن الأمن والأمان النووي.
فالمسألة في غاية الدقة والحساسية، والمشروع الأردني سيكون أحد أكثر من 440 محطة نووية تعمل الآن، وأكثر من 75 محطة قيد الانشاء حالياً حول العالم.
سابعاً: هناك من يرى في ضرورة الاستعاضة عن المشروع النووي بتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي، واستخدام الطاقة البديلة (الشمس، الرياح وغيرها). والحقيقة أن لهذه المشاريع خصوصيتها التقنية والفنية، وقد تم توقيع العديد من الاتفاقيات ذات العلاقة، ولابد من دعم هذه المشاريع، التي ستشكل مجتمعة، عناصر هامة وتنوعاً ضرورياً في سلة الطاقة الأردنية، "كمصادر مساهمة"، لكنها لن تكون بديلاً عن الطاقة النووية كخيار استراتيجي يؤمن الاستقرار في توفير الطاقة الكهربائية، في بلد يزداد سكانه بشكل مضطرد، وما يتطلبه ذلك من توسيع وتطوير للبنى التحتية والمشاريع الصناعية والزراعية والتنموية الكبرى، ومن أهمها قناة البحرين، التي تحتاج الى الكهرباء لجر المياه وتحليتها لسد العجز الهائل فيها، والذي سيزداد بشكل كبير في العقود القادمة، والمشاريع النووية الامارتية والسعودية دليل ساطع على ما نزعم.
وفي المحصلة، فإن الخبراء وأصحاب الاختصاص، هم الأقدر على اجراء الدراسات والأبحاث، والمساعدة في اتخاذ القرارات، واختيار البدائل، وتحديد الاولويات في مجمل هذه المعطيات والخيارات.
ثامناً: لقد حبى الله بلدنا بثروة اليورانيوم الطبيعية (الكعكة الصفراء)، وهي سلعة استراتيجية نُحسد عليها، حيث تقدر الاحتياطيات في منطقة وسط الأردن لوحدها بأكثر من 65 ألف طن، ناهيك عن التراكيز المختلفة لهذه المادة في مناطق أخرى، وبخاصة الصحراء الجنوبية من المملكة، تكفي في مجملها، لتشغيل محطاتنا النووية لأكثر من مائة عام. ولم يعد سراً أن الأندونيسيين والهنود والباكستانيين استخرجوا اليوارنيوم من الفوسفات الأردنية المصدرة اليهم لعقود مضت. وهنا، وللأسف، هناك من لايزال يشكك حتى في وجود اليورانيوم في بلادنا، على الرغم من كل الدراسات والنتائج ذات الصلة، وبإشراف خبراء دوليين مرموقين(!).
تاسعاً: لقد تعمدنا أن لا نخوض في التفاصيل والقضايا الفنية ذات العلاقة بالمشروع النووي، فهي ليست من اختصاصنا، (ولها خبراؤها وأصحاب الشأن فيها)، وعليه، فمن غير المقبول أن يتنطح العامة (من غير اهل الاختصاص) بطرح "فتاواهم" في امور معقدة، وفي مواجهة حقائق ثابتة وتجارب ساطعة في مجال الطاقة النووية، بل واتباع أسلوب الشخصنة، والمناكفة، والتجييش، والتحشيد للناس العاديين ومؤسسات وهيئات المجتمع المدني، التي نثمن دورها، ونقدر مكانتها وعقلانيتها وانحيازها للوطن وأبنائه. فالشعوب الحية لا تتعامل مع المشاريع الاستراتيجية والقضايا الحيوية، من خلال البيانات والاعتصامات والمظاهرات، لأن المعنيين بها والقائمين عليها، وأصحاب الفصل بشأنها وأهميتها وجدواها، هم العلماء والخبراء وأهل الاختصاص. والمشروع النووي الأردني هو مشروع دولة يناط به انقاذ الوطن من استمرار الغرق في المديونية والتبعية والانطلاق نحو التنمية الشاملة.
وأخيراً فإن الاختلاف في الرأي حول مشروع استراتيجي حيوي كالمشروع النووي السلمي الأردني، تحسمه بوصلة الوطن ومصالحه الحيوية التي تعلو وتسمو على كل شيء، ومؤلم أن يستمر لقاء معارضتنا الوطنية مع المعارضة الاسرائيلية للمشروع، ولو عن غير قصد، أفلا تكفي هذه الحقيقة لأن نصحو وننطلق موحدين؟!. إنها جريمة بحق الوطن وأجياله أن نبقى رهائن للخارج في قوتنا ومائنا وارادتنا. وفي الختام، المعادلة أصبحت في غاية الوضوح ولا تحتمل المزيد من التنظير والتأجيل والمشاغلة، والوقت في غاية الأهمية والخطورة: علينا أن نختار بين التبعية أوحرية الارادة والقرار. إن رفض التبعية (التي لن يقبلها عاقل)، ستعني ضرورة حشد كل الطاقات والامكانات للوصول الى الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات، وهذا لن يتأتى بدون ايجاد الحلول الجذرية لمشكلة الطاقة في بلادنا، والاستغلال الأمثل لأهم مصادرنا الوطنة والاستراتيجية وهو اليورانيوم، وغيرها من الثروات الطبيعية والبشرية التي يزخر بها وطننا. فهل نتخذ القرار قبل فوات الأوان؟!




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :