facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





«الشبابُ العربي» .. من نبذِ «العقل الجمعي» إلى بناءِ «العقل الواعي»


حسن اسميك
12-04-2020 09:41 AM

بعد رؤيتي ومتابعتي لكثير من الأحداث المحلية والعالمية، وقراءتي المتواضعة في بعض الموضوعات التاريخية استولى عليَّ التفكيرُ بموضوع «تأثير العقل الجمعي» في الأمم والمجتمعات، وكيف أنَّهُ يُدير أغلب تعاملات الناس، وكيف يؤثر في تفكيرهم، بل حتى في أخلاقياتهم وسلوكهم.

معنى «العقل الجمعيّ»: ((الطريقةُ التي نشخِّصُ فيها ما هو صحيحٌ عن طريقِ ما يظنُّه الآخرون صحيحاً))، أو بعبارةٍ أخرى: ((ظاهرةٌ نفسيَّةٌ يفترِضُ فيها الإنسانُ أنَّ تصرفات الجماعة في حالةٍ معيَّنةٍ تعكِسُ سلوكاً صحيحاً))، أو كما عرَّفه «غوستاف لوبون» الطبيبُ والمؤرخُ الفرنسيُّ وأحدُ مؤسسي «علم النفس الاجتماعي» بأنه: ((الاستجابةُ غيرُ العقلانية لِمَا تردِّدُه الجماعةُ)).

ورغمَ أنّي لستُ رجلَ دينٍ دعوني بدايةً أقولُ: إنَّ هذا الأمر أنكرتْهُ الشرائعُ السماوية، فالمطَّلِعُ على القرآن الكريم يقرأ فيه قولَه تعالى عن عبادة الأصنام والتقليد الأعمى: قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين* قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين.

ولم تكن الكثرةُ يوماً مقياساً للصواب، والجماهيرُ دليلاً للحقّ، فنرى الشرائعَ السماويةَ تذمُّ الكثرة، فنقرأ في القرآن الكريم: وما يتَّبعُ أكثرُهُمْ إلا ظَنّاً إنَّ الظنَّ لا يغني من الحقّ شيئاً، وأكثرُهُم للحقّ كارهون، ولقد ضلَّ قبلهم أكثرُ الأولين، وإنْ تُطع أكثر مَنْ في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظَّنَّ وإن هم إلا يخرصون، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تذمُّ «سياسة القطيع»، بل على العكس تماماً امتدح القرآنُ الكريم والكتابُ المقدَّس القلَّةَ الواعية العاقلة التي لا تنساق وراء الجماهير دون تفكير، فنقرأ في القرآن الكريم: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما هم، وقليلٌ من عبادي الشكور، ثلةٌ من الأولين وقليل من الآخرين، ونقرأ في الكتاب المقدس: ((الحصادُ كثيرٌ، ولكن الفَعَلَةَ قليلون)) [ لوقا: 16/10]، (( هكذا يكونُ الآخِرُون أوَّليْنَ، والأولون آخِرِيْنَ؛ لأنَّ كثيرين يدعون، وقليلين يُنْتَخَبُون)) [متى: 20/16]، (( لا تَخَفْ أيها القطيعُ الصغيرُ)) [لوقا: 12/32].

لم أعرِضْ هذه النصوص لألقي محاضرةً دينيةً، ولكن أردْتُ أن أُبيِّنَ أنَّ إنكارَ الانسياقِ وراء الجماهير وما يتمُّ إملاؤُهُ علينا من قبل الذين يصنعون «العقل الجمعي» هو أمر أنكرتْهُ الشرائعُ السماوية قبل أن ينكره عقلاءُ المفكِّرين من الأمة.

وفي طريقي لكتابة هذا المقال وقفْتُ على كُتُبٍ مفيدة، واطَّلعْتُ على كتاباتٍ عديدة أردْتُ أن أشارككم أفكارَها، لعلَّنا نتخلَّصُ من التقليدِ الأعمى، والرأيِ العامّ المزيف، ووسائلِ السيطرةِ على العقولِ والتلاعُبِ بها، ونرتقي إلى التفكير الذاتي والعقل الواعي البعيدين كُلَّ البُعْد عن «العقل الجمعي» اللاواعي.

في «العقل الجمعي» يفقِدُ الإنسانُ قدرته على اتخاذ مواقف وآراء خاصَّة، ويعيش مع عقله في حالة عُطْل مؤقت، فتجده يُهْرَعُ إلى جماهير الناس بحثاً عن مؤشِّراتٍ لما يكون صواباً، ويبحث عن الموقف الأنسب الذي يتوافق مع آراء الجماعة حتى ولو لم يكن مقتنعاً بذلك، إنَّه الشعورُ بأنَّهم على صوابٍ دائماً، ويقول في نفسه: ((أريدُ أنْ أكونَ مقبولاً بينهم، وسأكون بحسب رأيهم أيضاً على صواب)).

ويرتبطُ ذلك ارتباطاً وثيقاً بمفهوم «التبعيَّة» للتيار أو الحزب أو الجماعة، وهو ما يُسمَّى بـ «فكر القطيع»، ويرتبط أيضاً بالعادات والعرف والتقاليد، وتنمحي حينئذٍ الكفاءات العقلية للفرد، وتذوب في روح الجماعة، وتسيطر الصفات اللاواعية كما يقول «غوستاف لوبون».

لنأخذ على سبيل المثال: (الـمَوْضات)، هي نوعٌ من أنواع «العقل الجمعي»، فكثيرٌ من شبابنا وفتياتنا يَجرون وراء الموضات في قَصَّة الشَّعْر، في اللِّباس، في الحذاء، في الموبايل، في السيارة، وهكذا.

وكذلك الشائعات التي تطرحها فئاتٌ كثيرةٌ بين الناس، ويروجونها سواءٌ بحُسْن نيةٍ أو بسوء نيةٍ، فيتلقفها الناسُ ويتناقلونها بينهم، ثم لا تلبث أن تصبح عندهم حقائق لا يجوز إنكارها أو المِساسُ بها، هي نوعٌ آخر من «العقل الجمعي».

أمَّا العاداتُ والتقاليدُ فهي نوعان: نوعٌ منها مبنيٌّ على وحيٍ سماوي، ولها أصلٌ شرعيٌّ كعيادة المريض، وتقديم واجب العزاء، والمشاركة في الأفراح، والفرح في الأعياد، وهكذا ... وهو نوعٌ محمودٌ.

ونوعٌ آخر بَدَأَ بشكلِ عادةٍ وانتهى تقليداً أعمى أو قانوناً، وذلك كاعتبار المرأة لقرونٍ عند الإغريق اليونانيين جنساً رديئاً من أنواع البشرية تُعامَلُ بالذُّلِّ والإهانة، يضعون كمَّامةً على فمها لا يحقُّ لها التكلُّمُ إلا بإذن وليّ أمرها، فالمرأةُ عندهم شجرةٌ مسمومةٌ ظاهرُها جميلٌ فإذا أكلْتَ منها تموت فوراً، ويذكرُ مؤرخو الهند أنَّ رجالهم كانوا يقامرون بنسائهم، فإذا خسروا الرهان يأخذ الخصمُ زوجته، وكان من شرائعهم أنَّ الوباء والموت والجحيم والسُّمَّ والأفاعي خيرٌ من المرأة، وأنها رجسٌ لا يجوز أن تتكلَّم أو تضحك، وأمَّا عند العرب فكانت محلَّ تشاؤمٍ عند ولادتها – وهي عند البعض كذلك في القرن الحادي والعشرين للأسف – وكانوا يقتلونها وَأْداً، فإذا تركت لتعيش فلا ترِثُ ولا تختارُ زوجها وهكذا ....، كُلُّ ذلك نِتاجُ «العقل الجمعي» الذي يُؤجِّرُ فيه الفردُ رأسَهُ للجماعة دون تمييز.

وهكذا فالسيطرةُ على عقول الناس وتوجيه أفكارهم ومصادرة آرائهم قديمٌ قِدَمَ البشرية، ولكنَّ التطوُّرَ التقنيَّ التكنولوجيَّ خَلَقَ وسائل جديدةً للسيطرة على العقول والتلاعب بها، فالثورةُ الإعلاميةُ في أواسط القرن الماضي جَعَلَ قلةً من أصحاب القرار تسيطر وتتحكَّم بمئات الملايين من البشر، ويوجهون المجتمعات والشعوب عن طريق الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي باتجاهٍ محدَّد.

ويحترفُ هذه المهمةَ جماعاتٌ وشركاتٌ ومراكزُ استخبارات عالمية تعمل لصالح فئةٍ معينةٍ، يقومون بصناعة الرأي العامّ المزيَّف وعَرْضِهِ على الجمهور، ويكونُ ذلك بديلاً عن الحقيقة التي يتمُّ إخفاؤها والتلاعبُ بها.

وإنَّما سُميت هذه الوسائل بـ (وسائل الإعلام) لأنهم يريدون إعلامَ الناسِ بما يريدونه لا بالحقيقة والواقع.

وعلى سبيل المثال: إذا طُرِحَتْ قضيةٌ سياسيةٌ أو اجتماعيةٌ، واختلفت المواقف وتباينت الآراء وتشوشت الرؤية ماذا تصنعُ؟ لا شكَّ أنك ستلجأ إلى كومبيوترك أو جوَّالك، وتفتح على مواقع التواصل الاجتماعي لترى كلمات الآخرين وآراءهم ومواقفهم، فكلَّما كانَ عددُ الإعجابات والمشاركات أكثر كلَّما زاد احتمال أن تختار هذا الموقف دون القيامِ بأدنى عملية تفكير، أو إعمالِ العقلِ بمجريات الأحداث وما وراء الأحداث لإبراز رأيٍ مغايرٍ، اللهمَّ إلا ما رحم ربُّك.

ولكن ألا يمكن أن تكون هذه الإعجاباتُ والتعليقاتُ مزيفةً؟ ألا يمكن أن يكون وراءها أشخاصٌ مأجورون يمتهنون صناعة الرأي العام؟ ألا يجدُرُ بنا أن نتريث قليلاً عندما نرى وسائل الإعلام والفضائيات كلَّها توجِّه الملايين من الناس باتجاه واحد؟!! ألا يجدرُ بنا ألا ننخدع بالعناوين؟ وأن نبحث عن المصدر؟ وأن نقرأ الأحداث بتمعُّنٍ؟ أين تفكيرُك؟ أين قناعاتك؟ أين محاكماتك العقلية؟

كثيرٌ منّا لديه أسئلةٌ منطقيةٌ، وآراءٌ في قضايا عدَّة، وعنده الإجابةُ عليها، لكنَّه لا يودُّ إثارتها وذكرَها والتعبيرَ عنها خشيةً من سُخْط المجموعة التي ينتمي إليها، أو الثقافةِ التي تلقَّاها منذ صغره فأصبحت عندَ مَنْ حوله مسلَّماتٍ لا يجوزُ التعرُّضُ لخلافها، أو لسيطرةِ الخوفِ عليه من المجهول من جهاتٍ يعلمها أو لا يعلمها، وبذلك يتعطَّلُ الفكرُ، ويخبو الذكاء، ويموتُ الإبداع.

ولكن هناك مواقفُ أحياناً يلفُّها الغموضُ، وتكونُ الرؤيةُ فيها ضعيفة، والتشويشُ كبيراً، وهناك نقصٌ في المعلومات التي يمكن أن ترشد للحقيقة، وخصوصاً إذا رافقها الخوفُ والقلق، وحينئذٍ نجدُ قوةَ التأثير تتناسب طرداً مع الحَدَث، ومعظمُ الناس سيلجؤون إلى استخدام موقف الآخرين لاتخاذه موقفاً لهم، ويفقدون الثقة بأنفسهم والاحتمالُ الأكبرُ أنهم سيجدون تصرفاتِ الآخرين مقبولةً ويتبعون «العقل الجمعي»، وذلك عندما تُثارُ مثلاً العصبياتُ الطائفية، أو العرقية، أو الدينية، أو عندما يكون هناك أحداثٌ عالميةٌ تَمَّ التسويقُ لها ولكن التشويش كبير والرؤية ضعيفة، ففي هذه الحالة يكونُ تأثيرُ «العقل الجمعي» أكبر، ولكنَّ الإنسانَ الواعيَ يُدرِكُ أنه عليه التريثُ وجمعُ المعلومات وتحليلُها وقراءةُ التاريخ والاستفادة منه، ولا ينجرف مع تيار «سياسة القطيع».

ألم يبتعِدْ كثيرٌ من الصحابة في «صفِّين» و«الجمل» عن كلا الفريقين؟!! وآثروا السلامةَ والنأيَ بالنفس حتى تتوضَّح الرؤية، وابتعدوا عن الفتن ولم يسيروا وراءَ «العقل الجمعي»؟!!

بعد هذا العَرْض السريع دعوني أنقُلْ لكم ما قاله المفكرون والباحثون في هذا المجال عن سُبُل الوقاية والعلاج من «العقل الجمعي اللاواعي»، وخلاصةَ ما ذكروه في بناء «العقل الواعي»، فهناك فرقٌ بين مَنْ يكونُ عقلُهُ مستودعاً لأفكار الآخرين ومواقفهم، وبين مَنْ يعتبرون عقولهم مصانعَ للأفكار والمواقف.

ويتلخَّصُ الأمرُ في أن نجعل عقولنا محوراً لتصرفاتنا، فالعقلُ نورٌ يهدي صاحبَه إلى الطريق الصحيحة، ولكن يجب عليه بشكلٍ دائمٍ أن يقوم بصَقْلِهِ وتنميتِهِ، وذلك يكونُ بالتفكُّر والتأمُّل والحوار والنقاش، وهو ما يطلق عليه: (تنمية العقل النقدي)، أي: أن يتحوَّلَ العقلُ إلى (جهاز رقابة وفحص)، فيفحص المعلومات الواردة بدقة كبيرة ضمنَ معايير ثابتة، فإذا وجد في بعض تلك الأفكار بصماتِ الخداع أو رائحة الكذب مَنَعَها من دخول دائرة التفكير، ورَمَى بها في سلة المهملات، فالعاقلُ لا يصدّق كلَّ ما يُقال؛ لأنه يمتلك المعيار والميزان.

اتبع هذه النصائح:

- ابحث عن مصدر المعلومة.

- اقرأ بتمعّن ولا تكتفِ بالعناوين.

- دقّق في الكاتب أو الناشر.

- تحقّق من التاريخ.

- لا تهمل قناعاتك السابقة.

- اسأل خبيراً.

فقد ابتليت البشريةُ اليومَ بمشكلة السطحيَّة والتعامل مع القُشُور؛ لأنهم لا يجدون وقتاً أو إرادة للتعامل مع القضايا والأفكار المطروحة محلياً أو عالمياً بالتحليل والنقد وإبداء الآراء والحلول بما يدخل في قَلْب الحقيقة ويصنع الحَدَث.

يعتمدون على تقارير مجهولة المصدر ويبنون عليها أفكارهم ورؤيتهم للحياة والأحداث، تتفاعل فئةٌ كبيرةٌ مع الأخبار الكاذبة أكثرَ من تفاعلهم مع الأخبار الحقيقية؛ لمجرَّد أنَّ الأخبار الكاذبة مصممةٌ بصورةٍ ذكيةٍ وتحملُ معها عواملَ الإثارة الأمرُ الذي يجعل تصديقَها والتفاعُلَ معها أقربَ لعامة الناس.

كُنْ متابِعاً دؤوباً دائماً لما يجري حولك من الأحداث، فالوعيُ لا يأتي من معلوماتٍ متقطعةٍ يفصل بينها فتراتٌ زمنيةٌ طويلة، وإنما ينتجُ الوعيُ من المتابعة الحثيثة وتراكم الأحداث في ذهن الإنسان، وبعد متابعتك الحثيثة لا تكتفِ بمعرفة الأحداث، بل تأمَّلْ وتفكَّرْ وحَلِّلْ ليتولَّد عندك حَدْسٌ واستشرافٌ للمستقبل.

إياكَ أن تستبدَّ برأيك، فمن استبدَّ برأيه هَلَكَ، فاسأل خبيراً، وشاوِرْ أهل الاختصاص، فبارقةُ الحقيقةِ تظهرُ من مصادمة الأفكار، واترك التقليد الأعمى لكبارِ الرجال ولو كانوا شخصياتٍ معروفةً سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً، واجعَلْ معيارك الصحيح «الحقّ»، فاعرفِ الرجالَ بالحقّ، ولا تعرفِ الحقَّ بالرجال، وكُنْ مراقباً جيّداً لما يتوافقُ مع القيم والمبادئ والأخلاق وما يؤيده العقلُ، ولا تكن طاعتك عمياء.

ألم يكن ملايينُ الناس يؤمنون بفكرةٍ ثم ظَهَر خطؤها؟! ألم تؤمن البشريةُ جمعاء في حِقْبةٍ بأنَّ الأرض مسطَّحة، وأنَّ الأرضَ محور الكون، والشمس تدور حولها؟!! ما قيمةُ فكرةٍ يؤمنُ بها جميعُ البشر لكنها خاطئة؟!!

وفي طريقك لبناءِ «العقل الواعي» المناهِضِ لـ «العقل الجمعي» اللاواعي لا تظنَّ أنك ستمشي في طريقٍ مُعبَّدٍ خالٍ من العَقَبات؛ بل إنني أطلق عليه – كما قال أحد المفكرين – (السباحة عكس التيار)، فلا بُدَّ أن تكون مستعداً نفسياً لمقاومة سيطرة «العَقْل الجَمْعي»، فمخالفتُهُ عمليةٌ صعبةٌ لا يقومُ بها إلا الموفَّقُون الواثقون بالله المتميزون الذين يمتلكون الجرأة ليقولوا: (لا) في وقت ينتظر منك المجتمع أن تقول: (نعم)، وعليك أن تتحمَّل في سبيل قضيتك سُخْط المجتمع وأذاه، ولذلك نرى كلَّ الأنبياء والمصلحين جابَهَهُم قومُهُمْ وآذَوْهُمْ، ولكنَّهم صبروا وحاكموهم إلى العقل، ورفضوا أن يكونوا ريشةً في مهبّ الريح، وأن يكونوا إمَّعةً يأتمرون بالعقل الجمعي اللاواعي، وكانت النتيجة أن انتصروا على الأوهام والأفكار الزائفة والعادات السيئة والمعتقدات الفاسدة. (فالنصرُ صبرُ ساعةٍ).

انظر إلى معظم المفكرين والعلماء والحكماء والعظماء المبدعين، كيف حاربهم الناسُ في البداية، واتُّهِمُوا بالجنون، وتعرضوا لأنواعٍ شتى من الإيذاء، وبعد أن تبيَّن لهم صوابُ ما جاؤوا به رفعوا لهم القبعة احتراماً، وخلَّدوا ذكراهم توقيراً وتمجيداً، وعَدُّوهم عظماءَ الأمة ومبدعيها، وبنوا لهم النُّصُبَ التذكارية، وسارت بذكرهم كتب التاريخ والموسوعات، وعُدَّتْ أفكارهم فارقاً تاريخياً في حياة البشرية جمعاء باختراعاتهم وإبداعاتهم.

على حين أنَّ مَنْ ينشأُ في «سياسة القطيع» يأتي إلى هذه الدنيا ويرحل عنها دون أن يترك بَصْمةً تنفع الإنسانية والبشرية.

وختاماً: أرجو من الشباب العربي أن يحصِّنوا أنفسهم ببناء العقل وتنميته، وأن يجعلوا من العقل الواعي محرِّكاً لهم في أفكارهم وسلوكهم وحياتهم، وأن لا يكونوا عُرْضةً للموقف الجاهز والوعي الـمُعَلَّب، وأن لا تحرّكهم العواطف والمشاعر، فهناك مَنْ يلعبُ اليومَ على أوتار مشاعرهم ليسوقهم للهاوية.

وأدعوهم إلى التَّسلُّح بالعلم والثقافة والمعرفة، ولا أقصدُ بذلك أن يدرسوا وينالوا الشهادات فقط، بل أن يتميَّزوا بالعُمْقِ في تحليل الأحداث وما يجري حولهم، فقد يكونُ الفردُ طبيباً أو مهندساً وحائزاً على شهاداتٍ علميةٍ رفيعةٍ، ولكنه في نهاية المطاف لا يملك البصيرة اللازمة لتمييز الأمور، وينجرف مع «العقل الجَمْعي» اللاواعي، وتحرّكه العاطفةُ والإعلام، وبذلك يفقد أهمَّ ما يملكه كإنسانٍ مثقف، وهو بناءُ «العقل الواعي».

والسؤالُ الهامُّ الذي يطرحُ نفسه: أين أنتَ اليوم؟ كيفَ تصنِّفُ نفسَك؟ هل أنت من أصحاب «العقل الواعي» أو من أصحاب «العَقْل الجَمْعي»؟ هل ستختارُ الطريقَ الأسهلَ الذي يسلكه كلُّ الناس وترحل دون بَصْمة؟ أو ستختارُ طريقَ العظماء؟.

المصري اليوم




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :