facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عن الترهّل الذي يقتل!


كمال ميرزا
04-07-2022 09:39 AM

علميّا، الترهّل والتردّي والإهمال تقتل!

لا يقتصر الأمر على تأخير معاملة هنا، أو حفرة في شارع هناك، أو منهل فائض في موضع ثالث، بل يستفحل الأمر ليطال أطفالا يموتون في رحلة بسبب "الطوفان"، ومرضى في مستشفى يموتون بسبب نقص "الأكسجين"، وفتاة في جامعة تموت بسبب ضعف إجراءات الأمن، وعمّال في ميناء يموتون ومنقذين يصابون بسبب سقوط صهريج "كلورين".. الخ .

بعيدا عن الحيثيات التفصيلية لكل حادثة من هذه الحوادث، فإنّ القاسم المشترك والنمط الكامن وراءها جميعها هو الترهّل والتردّي والإهمال.

الترهّل والتردّي والإهمال التي لا تقتصر فقط على مجرد سلوكيات فردية، أو حتى ممارسات مُمَأسسة (بالمعنى السوسيولوجي للتمأسُس)، بل تتعدّى ذلك لتصبح نسقا مُنبنيا (structured) أيضا بالمعنى السوسيولوجي للكلمة.

وكما أنّ مشكلة الفساد قد تعدّت مجرد سلوكيات وممارسات فساد وأصبحت "ثقافة فساد"، فإنّ الترهّل والتردّي والإهمال قد أصبحت بالمثل ثقافة هي الأخرى!

ماذا يعني أن يصبح سلوك ما أو ممارسة ما أو ظاهرة ما "ثقافة"؟.

هذا يعني حدوث "انزياح" قد يصل حدّ الانقلاب في القيم والمعايير العاملة على مستوى النسق الكلّي/ المجتمع ككل، بحيث لا يعود يُنظر للفساد باعتباره فسادا، وللترهّل باعتباره ترهّلا، وللتردّي باعتباره تردّيا، والإهمال باعتباره إهمالا.

وبحيث يصبح الأفراد والمؤسسات، بالمعنى السياسي والاجتماعي لكلمة مؤسسة، يمارسون الفساد والترهّل والتردّي والإهمال باعتبارها جميعها أمورا روتينية/ بيروقراطية/ تكنوقراطية كجزء من "مسار" الأمور و"طبيعيّة" الأمور و"عاديّة" الأمور.

ومن دون "وهو المهم والخطير" أن يشعر الأفراد بأي تناقض أو تعارض أو إحساس بالذنب أو الخطأ وهم يقومون بذلك، بكونهم يمتثلون ويتمثّلون الثقافة السائدة ويلبّون معاييرها ونماذجها، ومن دون أن ينتقص ذلك حتى من اقتناعهم بإخلاصهم، ونزاهتهم، وتفانيهم، وانتمائهم، وعمق وازعهم، وأخلاقيّة أفعالهم، ووجاهة منجزهم، وشرعية مكاسبهم.

بل إنّ كل شخص يقول عن الفساد فسادا، والترهّل ترهّلا، والتردّي تردّيا، والإهمال إهمالا، يغدو هو المسيء والمخطئ والمتنصّل والمارق وعديم الوازع والأخلاق والانتماء، و"المجرم" بالمعني الاجتماعي الثقافي قبل القانوني لكلمة مجرم كونه هو الذي خرج على قيم الثقافة السائدة ومعاييرها وتمثّلاتها ونماذجها.

هذا النمط السائد من الفساد المنبني والترهّل المنبني والتردّي المنبني والإهمال المنبني يرتبط بدوره بـ "نمط" و"نموذج" السلطة (power) السائد في المجتمع.

سوسيولوجيا السلطة هي مفهوم "علائقي" باتجاهين، أي هي حصيلة تعامل وتفاعل طرفي المعادلة: مالك السلطة والخاضع للسلطة في إطار الزمان والمكان والحدث والسياق.

من الأعلى، نمط السلطة السائد يتعامل وكأنّ سلطته هي "حق إلهي" مكتسب وشرعي فوق المسؤولية والمحاسبة، وغير قابل للانتقاص أو التنازل أو التداول.

ويتعامل مع "العقد الاجتماعي" باعتباره ضربا من "ميثاق الشرف" أو "اتفاق الجنتلمان" القابل لإعادة التفسير والتعديل والتحوير في كل لحظة.

ويتعامل مع "حقوق الرفاه" التي ينص عليها "العقد الاجتماعي"، بل حياة الناس نفسها، باعتبارها "هبات" و"مكارم" و"عطايا" تمنحها السلطة.

ويتعامل مع الفرص والمزايا التي يتيحها المجتمع (الأرض، الموارد، الثروة، الجاه.. الخ) باعتبارها "ملكية خاصة" للسلطة حق التصرف "المطلق" بها، ويمكن أن "توهب" أو "تُخصّص" أو "تُقتطع" كامتداد لحق السلطة الإلهي.

ويتعامل مع الناس العامّة الجمهور باعتبارهم "رعايا" وليسوا "مواطنين" و"شركاء" يتمتعون بحقوق متساوية ومتكافئة ينظّمها "عقد اجتماعي" مُلزم ومصان، وباعتبارهم دهماء لا يتقنون التفكير والتدبّر، وباعتبارهم رعاع لا يتقنون النظام وإدارة أنفسهم، وباعتبارهم رعاع هم مصدر تهديد دائم للأمن والاستقرار.

وتغدو الحلول الوحيدة التي يمكن أن تفكّر بها السلطة وتقترحها وتجترحها من دون أن تتقنها بالضرورة هي "الحلول الأمنية" الخطية السببية الآنية قصيرة النظر، والتي ترمي إلى إدامة الوضع القائم (وإن تغيّرت تمظهراته وإشكاله ومسمّياته)، وتمثّل إساءة وعسفا في استخدام وتوظيف حق السلطة باحتكار استخدام العنف المنظّم في المجتمع، العنف الرمزي قبل المادي.

وفي المقابل، من الأسفل، يتعامل الخاضعون للسلطة معها باعتبارها قدرا لا مفرّ منه، ومشيئة فوقيّة متجاوزة لا يمكن عصيانها أو الخروج عليها أو التشكيك بها أو مجرد مساءلتها.

ويُسبغون على هذه السلطة بشكل غير واعٍ كل الصفات التي كانت تُنسب تاريخيا إلى الربّ الإله: تسمع.. ترى.. تغضب.. ترضى.. ترفع.. تخفض.. ترزق.. تمنع.. لا يعزب عن أمرها شيء.. لا تُسأل عمّا تفعل وهم يُسألون.

ويغدو الخضوع للسلطة ضربا من الدين والعبادة التي تمارس من خلال منظومة من اللغة الرمزية والطقوس.

ويفقد الخاضعون للسلطة إحساسهم بالذات، أو الجدوى، أو القدرة، أو الوجاهة، إلا بمقدار ما تُسبغ عليهم السلطة قبولها وإقرارها وبركاتها.

ولا يعود الخاضعون للسلطة يشعرون بالانتماء لا إلى ذواتهم ولا إلى مجتمعهم ولا إلى تاريخهم ولا إلى لغتهم ولا إلى مؤسساتهم ووظائفهم ومسؤولياتهم.. فقط انتماؤهم للسلطة.

ولا يعود للخاضعين للسلطة هوية سوى هوية انتمائهم للسلطة يُعرَّفون ويعرِّفون أنفسهم من خلالها.

وتغدو أي بُنى "قديمة" أو "تقليدية" أو "أصولية" أو "متخلّفة" أو "بدائية" أو "غير احترافية" (كالعشيرة والجيرة والمدرسة والمسجد والكنيسة.. الخ) محض "جيوب ممانعة" ينبغي تصفيتها وإعادة تعريفها.

ويغدو كل فرد أو جماعة رافضين أو ناقدين لهذا النمط العلائقي للسلطة محض "كفّار" و"خوارج" و"روافض" و"مهرطقين" و"ملاحدة" بالمعنى الاجتماعي والثقافي، ومن ثم القانوني، لهذه الكلمات.

وشيئا فشيئا، يصبح هاجس الخاضعين للسلطة تمثّل نمطها السائد ونموذجها العملي في علاقتهم مع كل ما يخضع لسلطتهم ضمن التراتبية الهرمية للمكانات والأدوار ضمن البُنية الاجتماعية (مما يعني المزيد من الطحن للفئات الاجتماعية في قاع الهرم).

ويغدو قمة الإيمان والالتزام والإخلاص والانتماء والصلاح والتوفيق الإلهي تمثّل الأفراد لنفس القيم والمعايير التي تحكم وجدان السلطة وعقلها ومخيالها: مرجعية السوق وشبكة علاقاتها ومصالحها، الخلاص الفردي، الفردوس الأرضي، الدارونية الاجتماعية، إرادة القوة، المهمة الرسولية، العقل الأداتي، الإنسان الطبيعي، الكائن الوظيفي، فتشيّة الجسد.. الخ.

كل هذا يأتي مشفوعا بمقدار هائل من العنف المادي "المُقونن"، و"العنف الرمزي" الذي يُترجم من خلال ممارسات "دعائية" و"خطابية" و"ألعاب لغة" تتخلل "نمط عيش" استهلاكي شرس ومتطلّب، و"فضاء تواصلي" سائل يغدو مناطا لتزييف الوعي وتمييعه و"تطبيعه"، أو "أفيون الشعوب" الجديد ( neo وليس new) إذا جاز التعبير.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :