المراكز الصحية الأولية: بوابة الرعاية وتخفيف العبء عن المستشفيات
أ.د. زيد الحمدان
20-01-2026 11:17 PM
في تصريح مهم الثلاثاء، سلّط معالي وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور الضوء على الاستراتيجية الوطنية الهادفة إلى تعزيز نظام الرعاية الصحية الأولية، مؤكداً أن المراكز الصحية الشاملة تمثل «بوابة المريض الحقيقية» للوصول إلى العلاج المناسب. ويأتي هذا التوجه ضمن خطة لإعادة تنظيم مسار تقديم الخدمات الطبية، والحد من الازدحام غير المبرر في أقسام الطوارئ بالمستشفيات الكبرى، والذي بلغ ذروته في مستشفى البشير، حيث يستقبل قسم الطوارئ نحو 3000 حالة يومياً.
دور محوري واستراتيجي
أكد الوزير البدور أن المراكز الصحية الشاملة تُجهّز لتكون المحطة الأولى والأساسية للمواطن، بحيث تتوافر فيها الكوادر الطبية اللازمة، والأدوية، والخدمات التشخيصية والعلاجية تحت سقف واحد، قبل التفكير بالتوجه إلى المستشفيات. ويعيد هذا التوجه للمراكز دورها الاستراتيجي كخط دفاع أول في منظومة الصحة العامة، ورافعة رئيسية لرفع الكفاءة التشغيلية للنظام الصحي بأكمله.
مبادرة التوقيت الممتد: لسد الفجوة وتخفيف الضغط
كشف الوزير عن خطوة عملية لترجمة هذا الدور على أرض الواقع، تتمثل في تمديد ساعات عمل المراكز الصحية الشاملة القريبة من المستشفيات الكبرى. وأوضح أن تحليل البيانات يشير إلى أن ذروة الضغط على أقسام الطوارئ تبدأ بعد إغلاق هذه المراكز، أي من الساعة السادسة حتى العاشرة مساءً. وتهدف المبادرة إلى توفير بديل متاح للمرضى خلال هذه الفترة الحرجة، بما يسهم مباشرة في تخفيف الضغط عن طوارئ المستشفيات وتوجيه الحالات البسيطة إلى المكان الأنسب لتلقي الخدمة.
كما يمكن دعم هذا المسار عبر إنشاء عيادات طب عام ضمن المستشفيات وبالقرب من أقسام الطوارئ، لاستقبال الحالات غير الطارئة وتحويلها إليها، بما يتيح للمرضى الانتظار بصورة منظمة، ويضمن تفرغ فرق الطوارئ للحالات الحرجة وإعطاءها الأولوية.
الأرقام تكشف الحقيقة: غالبية مراجعي الطوارئ يمكن خدمتهم في المراكز
قدّم الوزير رقماً لافتاً يدعو إلى التأمل، إذ أشار إلى أن ما بين 50% و65% من مراجعي أقسام الطوارئ في المستشفيات تكون حالاتهم «خفيفة» ولا تستدعي الاستفادة من موارد المستشفى المتقدمة. ومن أمثلة هذه الحالات نزلات البرد، والتهاب اللوزتين، وآلام العضلات والعظام البسيطة. وتمثل هذه النسبة عبئاً يمكن تجنبه، كما أنها تستهلك وقت الكوادر الطبية وموارد مالية ومادية كان من الأجدى توجيهها للحالات الحرجة والأكثر استحقاقاً.
فوائد متعددة الأبعاد
أوضح الدكتور البدور أن تعزيز دور المراكز الصحية الشاملة لا يقتصر على تخفيف الضغط عن المستشفيات فحسب، بل ينعكس إيجاباً على عدة جوانب، أبرزها:
1. تقليل الازدحام بما يحسن بيئة العمل للطواقم الطبية ويوفر راحة أكبر للمرضى ذوي الحالات الحرجة.
2. تسريع الحصول على الخدمة عبر تقليل فترات الانتظار الطويلة في أقسام الطوارئ المزدحمة.
3. رفع كفاءة النظام الصحي من خلال وضوح الأدوار؛ فتتفرغ المستشفيات للحالات المتوسطة والشديدة والجراحية، بينما تقدم المراكز الرعاية الأولية والمستمرة.
4. تعزيز الرعاية الوقائية والمستدامة لكون المراكز الأقرب لمجتمعها، ما يتيح متابعة الأمراض المزمنة، وتقديم التثقيف الصحي، والكشف المبكر.
تضع تصريحات وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور يدها على جوهر إصلاح القطاع الصحي: بناء نظام صحي متدرّج وقوي تبدأ حلقته الأولى من المجتمع نفسه، لا من أبواب المستشفيات. إن الاستثمار في المراكز الصحية الأولية وتعزيز ثقة المواطن بها ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لإنقاذ المستشفيات من حالة «الطوارئ الدائمة»، وضمان تقديم الرعاية المناسبة في المكان والزمان المناسبين لكل مواطن. ويبقى نجاح هذه الخطة مرهوناً بتكامل الجهود، وتطوير آليات الفرز والإحالة، وتوعية مجتمعية شاملة تُعيد تشكيل الثقافة الصحية نحو الاستخدام الأمثل للمرافق والخدمات
الأستاذ الدكتور زيد الحمدان / جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية