facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




إعادة الهيكلة الشاملة للجيش العربي: حين تعيد الدولة تعريف نفسها


صالح الشرّاب العبادي
25-01-2026 07:58 AM

قرار جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين بتوجيه إعادة الهيكلة الشاملة للجيش العربي الأردني لا يمكن قراءته كإجراء عسكري تقني، ولا كخطة تطوير مؤسسية، ولا كبرنامج تحديث دفاعي تقليدي، بل يجب فهمه ضمن سياق أوسع: سياق وعي استراتيجي مبكر بطبيعة التحوّل في شكل الصراعات العالمية، وتغيّر بنية التهديد، وتفكك النموذج التقليدي للأمن.

فليست كل القرارات العسكرية قرارات أمنية، وبعضها يكون في جوهره قرار دولة، لا قرار مؤسسة.

إعادة الهيكلة الشاملة للجيش العربي الأردني تقع في هذا المستوى بالضبط ، فهي ليست تحديثًا تنظيميًا، ولا مشروع تطوير إداري، ولا إعادة توزيع وحدات، بل تحوّل في فلسفة الدولة الأردنية تجاه مفهوم القوة، والأمن، والسيادة.

ما يجري لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات الكبرى في طبيعة الصراع في العالم ، فالدول لم تعد تواجه تهديدات تقليدية واضحة المعالم، بل تواجه أنماطًا مركّبة من المخاطر: اختراق وعي، تفكيك مجتمعات، صراعات معلومات، حروب سيبرانية، أنظمة غير مأهولة، وحروب طويلة النفس بلا جبهات واضحة ولا نهايات محددة ، في هذا السياق، تصبح الجيوش التقليدية الثقيلة غير كافية وحدها لضمان الأمن، مهما بلغ حجمها أو تسليحها.

من هنا، فإن إعادة الهيكلة ليست مشروع تحديث جيش ، بل إعادة بناء نموذج القوة نفسه ، الانتقال من جيش يقوم على منطق المواجهة، إلى جيش يقوم على منطق إدارة البيئة الأمنية الشاملة ، أي من مؤسسة ردّ فعل إلى منظومة استباق، ومن قوة دفاع إلى منظومة ردع ذكي، ومن جيش حدود إلى جيش دولة.

التحوّل الأعمق لا يظهر في الشكل التنظيمي، بل في العقيدة ، فالعقيدة القتالية لم تعد تُبنى على مفاهيم الاشتباك المباشر فقط، بل على إدارة الصراع بوصفه نظامًا معقّدًا طويل الأمد ، لم يعد الأمن يُفهم كحالة طارئة، بل كنظام دائم، ولم يعد التهديد يُقرأ كحدث، بل كمسار تراكمي ، وهذا يغيّر طريقة التفكير العسكري من جذورها: من منطق المعركة إلى منطق البيئة، ومن منطق الساحة إلى منطق المنظومة.

في هذا الإطار، يصبح التدريب عنصرًا تأسيسيًا لا تكميليًا ، لم يعد التدريب إعدادًا جسديًا أو مهاريًا فقط، بل بناء عقل عملياتي قادر على الفهم والتقدير واتخاذ القرار في بيئات ضبابية ومعقّدة. فالمنفذ سواء كان قائد او جندي في النموذج الجديد لا يُدرّب فقط على تنفيذ الأوامر، بل على قراءة المشهد، وتحليل السياق، والتصرف وفق المقصد الاستراتيجي للدولة، لا وفق النص الحرفي للتعليمات.

أما إدارة العمليات، فهي تنتقل من مركزية القرار إلى شبكات القرار ، من غرف قيادة إلى منظومات تدفّق معلومات ، من قيادة هرمية إلى قيادة شبكية ، من إدارة اشتباك إلى إدارة مشهد ، هذا التحوّل يعكس إدراكًا بأن الحروب الحديثة لا تُدار بخطوط اتصال ثابتة ولا بقيادة مركزية صلبة، بل بمنظومات مرنة قادرة على العمل في انقطاع القيادة وتعدد السيناريوهات وتشظي ساحات العمليات.

وفي قلب هذا كله يأتي تطوير فن القيادة، خصوصًا في المستويات المتوسطة والصغيرة ، فالحروب الحديثة لا تُحسم في غرف القرار فقط، بل في قرارات اللحظة، وفي تقديرات القادة الميدانيين، وفي تصرف الوحدات الصغيرة تحت الضغط ، هنا يتشكل نموذج جديد للقيادة: قيادة واعية، مستقلة، منضبطة، قادرة على اتخاذ القرار، لا مجرد تنفيذ الأوامر. قيادة تفهم المقصد قبل النص، والرؤية قبل التعليمات، والمسؤولية قبل السلطة.

هذا النموذج لا يعني تفكيك القيادة، بل بناء منظومة قيادة ذكية، مرنة، مترابطة، عالية الاستجابة، قادرة على العمل في بيئات فقدان الاتصال، وضبابية المشهد، وتداخل الأبعاد الأمنية والعسكرية والسيبرانية.

التحوّل لا يقف عند البنية العسكرية فقط، بل يمتد إلى مفهوم السيادة نفسه ، فالدولة التي تعيد بناء جيشها بهذه الفلسفة، إنما تعيد تعريف علاقتها بالأمن، وبالاقتصاد الدفاعي، وبالتكنولوجيا، وبالمعرفة، وبالقدرة الذاتية، الانتقال من الاستيراد إلى البحث والتطوير، ومن التبعية التقنية إلى السيادة التكنولوجية، ومن الاستهلاك الدفاعي إلى الإنتاج الدفاعي، يعكس تحوّلًا في عقل الدولة لا في أدواتها فقط.

أن ما يحدث ليس مشروع إصلاح عسكري، بل مشروع إعادة تموضع استراتيجي للدولة الأردنية في عالم غير مستقر ، انتقال من دولة تدير الأزمات، إلى دولة تبني منظومات قدرة ، من دولة تحمي الاستقرار، إلى دولة تصنع شروطه ، من دولة ردّ فعل، إلى دولة إدارة مشهد.

إعادة الهيكلة الشاملة للجيش العربي ليست نهاية مسار، بل بداية نموذج جديد للدولة القادرة ، دولة تفهم أن الأمن في القرن الحادي والعشرين لا يُصنع بالسلاح وحده، بل بالعقل، والمنظومة، والرؤي .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :