أنت ترفع… وأنا أُشوّت: حين تُدار السياسة بمنطق كرة الطائرة
عميد متقاعد عارف الزبن
29-01-2026 04:23 PM
في الزمن الجميل مطلع الثمانينات، حين كنّا نلعب كرة الطائرة مع رفاق الصبا في مدرسة الثورة العربية الكبرى ونادي العودة الى جانب عمالقة اللعبة أمثال إبراهيم فيليب (رحمه الله)، وزيد علاوي، وعبدالله العايد، ومحمود الطويل، وحسن نجم وغيرهم، تعلّمنا درسًا مبكرًا: أن الهجمة لا تُبنى بالقوة وحدها.
في كرة الطائرة، لا تُحتسب النقاط بعضلات اللاعب فقط، بل بقدرة الفريق على الانسجام وقراءة ملعب الخصم، ودقة التوقيت. تبدأ الهجمة من الليبرو (Libero) - مستقبل الكرة وصمام الأمان الدفاعي وصانع الهجمة، الذي يمرّر الكرة الى المُعدّ (Setter) (ترامب) فيرفعها بدقة الى المهاجم (Spiker) (المالكي) ليختار لحظة الضربة الساحقة، وفي الخلف يبقى الفريق بأكمله في حالة استعداد تحسُبا لاي صدّ أو ارتداد مفاجئ في حال تصدّى الخصم للهجمة. هذه القاعدة البسيطة تصلح، إلى حدّ بعيد، لفهم كثير من مشاهد السياسة الدولية اليوم، خصوصا في زمن تغريدات السياسية. فالسياسة – شئنا أم أبينا – فهي تُدار أحيانًا بالمنطق نفسه، هناك من يُعدّ وهناك من يشوّت.
قبل أيام، رُفعت كرة السياسة حين أطلق ترامب (المُعدّ) تغريدة محسوبة في توقيت سياسي حساس، عبر منصته “تروث سوشيال” محذرًا مما سماه “خطأً فادحًا” قد يرتكبه العراق في حال إعادة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، مذكّرًا بأن فترة حكمه السابقة – وفق توصيفه – قادت البلاد إلى الفقر والفوضى. لم يكن التصريح بريئًا ولا عفويًا، بل جاء في لحظة داخلية وإقليمية دقيقة، موجَّهًا نحو (الليبرو الحقيقي) المُستقبل للتغريدة: الشارع العراقي وبصيغة تستفز الذاكرة وتحرّك المشاعر.
في اليوم التالي، جاءت الضربة الساحقة من (الشويّت) نفسه؛ نوري المالكي رافضًا ما وصفه ب "التدخل الأميركي السافر” في الشأن العراقي، ومؤكدًا أنه انتهاكًا للسيادة وتعديًا على المسار الديمقراطي العراقي. كانت ضربة المالكي عالية النبرة، مشحونة بمفردات الكرامة والسيادة الوطنية، ومهيأة لكسب تصفيق الجمهور (الشارع) العراقي.
وبطبيعة الشارع العراقي العاطفية والعنيدة (الجمهور)، ومع تراكم الاحتقان والكراهية تجاه الوجود الأميركي وسياسات ترامب تحديدًا في العراق وايران، لذا من المتوقّع أن يتعاطف ويميل قطاع واسع من الجمهور مع “الشويّت” لا مع “المُعدّ”. فالجمهور، في لحظات الشحن والاحتقان، لا يرى تفاصيل الخطة، بل يصفّق ويميل لمن يردّ بقوة.
الخطورة في المشهد لا تكمن في تبادل التغريدات او التصريحات بحد ذاته، بل في تحوّل السياسة إلى ردود فعل شعبوية من الجمهور على مصلحة الدولة. ففي كرة الطائرة أحيانًا ترفع الكرة لا لتسجيل نقطة مباشرة، بل لاستدراج ضربة مكشوفة، ومن لا ينتبه لذلك، قد يتحول من مهاجم إلى متلقٍّ للصدّ.
والسياسة - بخلاف المدرجات - لا تُدار بالتصفيق، ولا تُحسم الانتخابات بضربة واحدة، بل بإدارة المباراة حتى آخر نقطة.، فليست كل ضربة ساحقة نقطة مضمونة. أحيانًا تكون الضربة القوية متوقَّعة، فيُحسن الخصم صدّها، فتعود الكرة إلى ملعبك أخطر مما كانت وتتحول الى نقطة عكسية. والفريق المحترف الذكي لا يسأل: من ضرب بقوة؟ بل يسأل: هل كانت الضربة (التغريدة) في صالحنا؟ وهل قرأنا تمركز الخصم جيدًا؟ وهل ستُنهي الهجمة… أم ستعيد الكرة إلى ملعبنا؟
والسؤال الحقيقي إذن ليس: من انتصر او انخدع في معركة التغريدات؟ ولا من كسب تعاطف الشارع مؤقتًا؟ ولا من حاز تصفيق الجمهور؟
بل: من قرأ الملعب جيدًا؟ ومن قرأ المشهد الإقليمي بعمق؟ ومن اختار توقيت الضربة التي تحمي مصلحة بلده، لا صورته امام الجمهور ؟ومن اختار الضربة التي تخدم مصلحة الفريق؟ … لا لحظة الحماس؟
هنا فقط يجب أن نتوقف… ونراقب. ونتسأل هل كانت تغريدة ترامب تغريدة مُنسقة مع المالكي؟ آنت ارفع وانا أشوّت
فالسياسة ليست مباراة استعراض أمام جمهور، بل لعبة نفس طويل، تُربح بالنقاط لا بالتصفيق.