الشمس لا تُغطّى بغربال، وهي مقولة تختصر حقيقة لا يمكن القفز فوقها مهما اختلفت التبريرات أو تغيّرت المسميات.
فمن الطبيعي أن تدخل دكانًا في قرية أردنية وتسأل عن سلعة معيّنة، فلا تجدها، بينما تجدها في دكان آخر. هذا تفاوت طبيعي في التوفر، ولا يعني نفي وجود السلعة على مستوى الوطن. لكن ما ليس طبيعيًا، ولا يمكن قبوله، هو الادّعاء بامتلاك شيء غير موجود أصلًا، ثم بناء صفة تمثيلية أو موقع قرار على هذا الادّعاء.
وهنا يصبح المثال أكثر خطورة عندما نُسقِطه على قطاع السياحة.
فكما لا يمكن أن تكون تاجر أغنام بلا أغنام، لا يمكن أن تكون ممثلًا للسياحة الوافدة بلا سياح حقيقيين، ولا برامج فعلية، ولا حركة دخول مثبتة، ولا إنفاق سياحي موثّق على الأرض.
الأرقام، وحدها، لا تصنع واقعًا إذا لم تكن مرتبطة بوقائع ميدانية يمكن التحقق منها.
الادّعاء بامتلاك “ثلاثة آلاف رأس غنم” دون راعٍ أو زريبة أو علف، يشبه تمامًا الادّعاء بتحقيق آلاف الليالي الفندقية دون قوائم حدود، أو أسماء سياح، أو برامج واضحة، أو أثر اقتصادي ملموس. وفي الحالتين، نحن أمام واقع رقمي بلا وجود فعلي.
في قطاع السياحة، لا يفترض أن تُبنى الصفة التمثيلية، أو يُمنح مقعد في مجلس إدارة، أو يُعتمد ممثل لقطاع كامل، بناءً على أرقام مدخلة في منصة إلكترونية فقط، دون تدقيق، أو مطابقة، أو تحقق مشترك مع الجهات ذات العلاقة، كوزارة الداخلية، ودائرة الإحصاءات العامة، والحدود، والفنادق، وغيرها.
والسؤال المشروع هنا ليس اتهامًا، بل استيضاحًا ضروريًا:
هل آليات التحقق المعتمدة كافية لمنع “التاجر الوهمي” من التحوّل إلى ممثل رسمي؟
وهل يتم الربط الحقيقي بين الرقم المُسجّل، والسائح الداخل فعليًا، والليلة الفندقية الحقيقية، والإنفاق الذي ينعكس على الاقتصاد الوطني؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قطاع هو أن تتحوّل الأرقام من أداة قياس إلى وسيلة تمكين، وأن يُصنَع القرار بناءً على بيانات غير مدقّقة، فتُمنح الصفة، ويُصادَر التمثيل، ويُقصى أصحاب العمل الحقيقيون.
في السياحة، كما في غيرها من القطاعات، الوجود الحقيقي يترك أثرًا:
في الفنادق، في الحافلات، في الأدلاء السياحيين، في المطاعم، وفي حركة الأسواق.
أما الوجود الوهمي، فلا يترك سوى أرقام جميلة على الورق، بلا أثر اقتصادي، وبلا قيمة وطنية.
في النهاية، ليست المشكلة في “الخروف” ولا في “السائح”، بل في من يمنح صفة التاجر، ومن يمرّر الرقم، ومن يخلط بين الواقع والوهم.
فالشمس، مهما تغيّرت المنصات وتعدّدت المسميات، لا تُغطّى بغربال.