هل الدولة القوية تُغرِم .. قبل أن تُنصف؟!
محمود الدباس - أبو الليث
07-02-2026 01:44 PM
ومَن أهم.. حد من حدود الله.. أم تطبيق قانون؟!.. أردت الابتداء بهذا السؤال.. فهو ليس استفزازا للدين.. ولا تمردا على الدولة.. بل صرخة عقل تبحث عن ميزان.. لأن المؤمن العاقل.. لا يقترب من حدود الله تحديا.. ولا يتعامل معها كخيار سياسي.. أو مزاج إداري.. حدود الله وُضعت بعلمٍ كامل بحال البشر.. وبمقومات تسبقها قبل أن تُقام.. فلا حد بلا عدل.. ولا عقوبة بلا قدرة.. ولا تكليف بلا تمكين..
الله حين شرع الحدود.. لم يشرعها في فراغ.. بل ربطها بحياة كريمة.. وسد للحاجات.. وأمان اجتماعي يمنع الانحراف.. قبل أن يعاقب عليه.. وما كان ربك ليضع حدا يعلم أن عباده عاجزون عن الالتزام به.. أو أن الدولة قاصرة عن توفير شروطه.. ولهذا كان الاقتراب من الحدود دون تحقق مقوماتها ظلما.. وكان التلاعب بها باسم التطبيق ظلما أشد..
اليوم نسمع أنين الناس.. أنينا لم يعد خافتا.. بل صار صراخا في الشوارع.. والمنصات.. والجلسات العامة والخاصة.. مواطن لا يعجز عن الكماليات.. بل عن الأساسيات.. يعمل ليأكل.. ثم يعمل ليغطي غرامات.. ثم يعمل ليؤجل الانهيار.. لا ليبني مستقبلا ولا ليشعر بالأمان..
مخالفات السير لم تعد أداة تنظيم.. بل صارت فخا يلتهم أرزاق السائقين دون استثناء.. وإذا ما خصصت الحديث عن سائقي العمومي أقول.. سائق لا يستطيع ترخيص مركبته لأن المخالفات تراكمت.. فيُدفع دفعا لقيادتها دون ترخيص ليسد رمقه ورمق من يعول.. فتتحول المركبة إلى خطر بلا تأمين.. وإذا وقع حادث ضاع حق المتضرر.. وخسر المجتمع مرتين.. مرة بالقانون.. ومرة بالأمان..
أما السكن.. ذلك المقصد العظيم.. الذي به تستقر النفوس.. وتحفظ الكرامة.. فقد تحول عند كثيرين إلى مصدر قلق دائم.. رسوم المسقفات والأبنية تتراكم عاما بعد عام.. والغرامات تكبر بصمت.. حتى يصبح البيت نفسه مهددا.. لا لأنه آيل للسقوط.. بل لأن ساكنه عاجز عن سداد رقم على شاشة.. مواطن أفنى عمره ليؤمن سقفا لأولاده.. ناهيك عن الأقساط لتكملة المستحق.. فإذا به يشعر أن هذا السقف مؤقت.. وأن الاستقرار الذي وعد به القانون.. قد يتحول إلى عبء يخنقه.. أي معنى للأمان.. إذا كان البيت مهددا بالرسوم.. وأي عدل إذا كان السكن يتحول من حق.. إلى عبء نفسي دائم؟!..
وحين يجد المواطن نفسه محاصرا بهذه الالتزامات.. لا يجد أمامه سوى باب القروض.. يقترض ليس ليستثمر.. أو يطور حياته.. بل ليسدد رسوما وغرامات.. فيدخل دائرة فوائد مركبة.. تجعله عرضة للسجن.. فيتحول الدَين من حل مؤقت.. إلى قيد طويل الأمد.. ويصبح تأجيل المشكلة هو الهدف.. لا حلها.. ويعيش الإنسان وهو يعلم.. أن خطوة واحدة خاطئة.. قد تسلبه حريته.. كمن يسير في حقل ألغامٍ يحاصره من كل اتجاه..
وهنا نستحضر موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. الذي عطل حد السرقة عام الرمادة.. لا استخفافا بحد من حدود الله.. بل إجلالا لمقاصده.. فهم أن الجائع لا تقطع يده.. وأن الدولة إن عجزت عن الإطعام.. سقط عنها حق العقاب.. فهل كان حد الله أهون من قانون؟!.. أم كان الفهم أعمق من النص المجرد؟!..
اليوم نعطل إنسانية القانون.. ولا نعطل نصوصه.. نُحمّل المواطن ما لا يطيق.. ثم نستغرب التفلت.. ونجرّم الاضطرار.. ونحاسب الفرد على خلل جماعي.. وهذا أخطر من تعطيل حد رباني.. لأنه تعطيل للعقل والعدل معا..
كلامي هذا لا يدعو للفوضى.. ولا لإسقاط القوانين.. بل لإعادتها إلى مقصدها.. القانون وُضع لتنظيم الحياة.. لا لخنقها.. ولحماية الناس.. لا لدفعهم للمخاطرة.. ولمنع الجريمة.. لا لصناعتها..
ولهذا فإن الدعوة لعفو عام عن مخالفات السير.. وعن المتراكم من رسوم المسقفات والأبنية.. ليست منّة.. بل تصحيح مسار.. وإن تعذر العفو الكامل.. فليكن التقسيط بلا غرامات.. أو حصر الاستيفاء بالمخالفات التي تجاوزت سنتين.. أو ثلاثا عند الترخيص.. لا أن يُفتح تاريخ المواطن كله دفعة واحدة.. وكذلك إيقاف الغرامات السنوية على السكن.. لأنه حق لا ترف..
الدولة القوية.. لا تُقاس بعدد ومقدار ما تحصله من الغرامات.. بل بعدد المواطنين القادرين على الالتزام..
والمسؤول الحكيم.. لا يُراكم القوانين.. بل يُراكم الثقة.. ويقلل الفجوة بين المواطن.. وبين الدولة..
وبين حد الله وقانون البشر.. يبقى العدل هو الفاصل.. فمن أقامه.. أقام الاثنين معا.. ومَن غيّبه.. فلن تنفعه النصوص ولا اللوائح.. مهما كانت صارمة..
فالعدالة لا تُقاس باللوائح.. بل بقلوب الناس التي تعيشها.. ومَن فقدت قلوبهم فلن تنفعهم النصوص؟!..