حماية الأطفال في العالم الرقمي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع
هبة بني مصطفى
17-02-2026 12:24 PM
بات العالم الرقمي جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، غير أن مخاطره لا تقل خطورةً عن مخاطر العالم الواقعي، بل قد تفوقها في بعض الأحيان، لاسيما أنه يضم مختلف الفئات العمرية، وفي مقدمتهم الأطفال الذين قد يفتقرون إلى الوعي الكافي والخبرة اللازمة للتفاعل الآمن مع هذا الفضاء المعقّد. ومع الانتشار الواسع للأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح الأطفال عرضةً لجملة من المخاطر، من بينها الإدمان الرقمي، والتعرّض للمحتوى غير الملائم، والتحرش الإلكتروني، والتنمر عبر الإنترنت، وغيرها من التحديات التي قد تهدد سلامتهم النفسية والاجتماعية، وتؤثر في نموهم المتوازن.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز مسألة حماية الطفل في الفضاء الرقمي بوصفها قضيةً ملحّةً تستوجب تدخّلًا قانونيًا وتنظيميًا فاعلًا يضمن توفير بيئة رقمية آمنة تُصان فيها حقوق الطفل وكرامته. فالأطفال هم الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها مستقبل المجتمع بأسره، فحمايتهم مسؤوليةٌ جماعيةٌ وليست خيارًا.
وفي خطوة تعكس تنامي الاهتمام الرسمي بقضايا الأمن الرقمي، وافق مجلس الوزراء على تشكيل لجنة وطنية تُعنى بحماية الأطفال واليافعين من المخاطر المرتبطة باستخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.وتُكلَّف اللجنة بدراسة الآليات التنظيمية والتقنية الكفيلة بضمان وصولٍ آمنٍ إلى الفضاء الرقمي، إلى جانب اقتراح سياسات توعوية وتشريعية تعزز الاستخدام المسؤول وتحمي الفئات الأكثر عرضةً للمخاطر، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة، وفي مقدمتها هيئة تنظيم قطاع الاتصالات.
ويأتي هذا التحرك الحكومي في توقيت بالغ الدقة، إذ يتزامن مع حراك نيابي نشط تحت قبة البرلمان، حيث قدّم عدد من النواب مقترحات لتنظيم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن السادسة عشرة، في ظل تزايد المخاطر النفسية والاجتماعية عليهم نتيجة الاستخدام غير المراقب لهذه المنصات.
وتعكس الرؤى المجتمعية في الأردن دعمًا واسعًا لمثل هذه الإجراءات، فقد أظهرت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة "أناليسيز" للدراسات والأبحاث أنّ 90 % من الأردنيين يؤيدون سنّ تشريع يقيّد وصول الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا وما دون إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فيما بلغت نسبة التأييد لتنظيم استخدام الأطفال لأدوات الذكاء الاصطناعي 87 %، مما يعكس توافقًا عامًا على ضرورة إرساء أطر تنظيمية رسمية لحماية الأطفال في البيئات الرقمية.
هذه الأرقام تشير إلى وجود إجماع شعبي قوي على أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي ليست مجرّد خيار تنظيمي، بل مطلب اجتماعي يدعمه شرائح واسعة من المجتمع الأردني، بما في ذلك أولياء الأمور والفاعلين المجتمعيين.
يسير الأردن على خطى العالم لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، فلا يمكن إغفال تجربة أستراليا، التي تُعد الأولى عالميًا في سن تشريع خاص لحماية الأطفال على الإنترنت ووضع هيئة مستقلة للإشراف على سلامتهم الرقمية. وقد أثبتت التجربة الأسترالية نجاحًا كبيرًا في الحد من المحتوى الضار، والتنمر الإلكتروني، وتعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال والأسر. ويمكن إسقاط هذه التجربة على السياق الأردني مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المحلي، من خلال:
• تكييف البرامج التوعوية لتناسب القيم العائلية والتعليمية في الأردن، مع إشراك المدارس والأسر في حملات التثقيف الرقمي.
• اعتماد أدوات الرقابة التقنية بشكل تدريجي، مع توجيه الأطفال على الاستخدام المسؤول للإنترنت بدلاً من الحظر الكامل.
• تطوير تشريعات محلية مستندة إلى أفضل الممارسات الدولية، لكنها تراعي الفروق الثقافية والاجتماعية، لضمان تقبّل المجتمع لها ونجاح تطبيقها.
• بهذه الطريقة، لا يقتصر التحرك الأردني على اتباع تجربة عالمية فحسب، بل يصبح نموذجًا متوازنًا يجمع بين المعايير الدولية وحاجات المجتمع المحلي، بما يعزز حماية الأطفال ويضمن سلامتهم النفسية والاجتماعية في البيئة الرقمية.
تبقى حماية الأطفال في الفضاء الرقمي اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع والدولة على مواكبة التطورات التكنولوجية مع الحفاظ على القيم الإنسانية والثقافية. إن المبادرات الأردنية الأخيرة تمثل خطوة أولى مهمة، لكنها تحتاج إلى استمرارية وتكامل بين التشريع، التوعية، والتقنيات الحديثة. ومن خلال الاستفادة من التجارب العالمية وتكييفها وفق خصوصية المجتمع الأردني، يمكن ضمان أن يكون الإنترنت بيئة آمنة للطفل، تساعده على التعلم والنمو، بدل أن تصبح مصدر خطر وتهديد. حماية الأطفال ليست مسؤولية فردية، بل التزام جماعي يشمل الأسرة، المدرسة، الدولة والمجتمع الرقمي بأسره.